الخميس، 10 يوليو 2014

معضلات لا يحلها الا الكتاب المقدس للاخ يوسف رياض

في مجال العلوم الطبيعية
اقتنع الجيولوجيون جميعاً من دراسة مكونات الأرض وغيرها أن هناك بداية للإنسان، وقبل ذلك كانت بداية للثدييات، وقبلها بداية للطيور والزحافات والأسماك. بل وحتى الحيوانات الدنيئة لها بداية. ونفس الشيء في عالم النبات. وكذلك للجبال والصخور، للأراضي والبحور. وتختلف تقديرات العلماء لهذه البداية؛ فهناك مثلاً من يقدر عمر الأرض بنحو10 مليون سنة، وهناك من يصل تقديره لعمرها إلى10 آلاف مليون سنة. لكن الكل – مع اختلاف تقديراتهم - مُجمِع أن الأرض وما فيها لها بدء.
ولقد سبق أن رأينا في الفصل السابق كيف أثبت العلم أن كتلة الأجرام السماوية تتناقص باستمرار، مما يثبت استحالة أزليتها. وهكذا فإن الكون كله، بسماواته وأرضه، له بداية. العلم يؤكد أنه لابد أن يكون له بدء. أما الكتاب المقدس فبسلطان إلهي يقرر في أول كلمات له « في البدء*خلق الله السموات والأرض ».
والعلم لم يستطع أن يقدم تفسيراً عن كيفية هذه البداية. لأن العلم حقيقة يبدأ من حيث انتهى الخلق، فيفسر مظاهر الخليقة. أما كيف نشأ الكون، فلا فلسفات الأقدمين ولا أبحاث المتأخرين قدمت الإجابة الشافية على هذه المعضلة.
فهل عند الكتاب المقدس الحل؟ نعم، لأننا « بالإيمان نفهم أن العالمين أُتقِنَت بكلمـة الله حتى لم يتكون ما يرى مما هو ظاهر» (عب11: 3). حقاً إننا « بالإيمان نفهم »، وبدونه لا يمكن أن نفهم.
في أوائل القرن العشرين ظهرت نظرية العالم الرياضي الفذ ألبرت اينشتين التي تقول:
الطاقة (الناتجة) = الكتلة (المفقودة أو المتحولة) × مربع السرعة (سرعة الضوء)
وبمسـاعدة هذه النظرية أمكن تحويل الكتلة إلى طاقة؛ تفتتت الذرة وتلاشت كتلة بسيطة منها، ونتج عن ذلك طاقة رهيبة. كما أمكن مؤخراً حدوث العكس فتحولت الطاقة الهائلة إلى كتلة بسيطة.
هذا ما حدث بالنسبة للخلق. ففي الأزل حيث لم يكن سوى الله الكلى القدرة، كانت كلمته المصحوبة بالقوة العظيمة جداً، هي الوسيلة لإيجاد هذا الكون « أَلا  تعلمون؟ ألا تسمعون؟ أَلم تُخبَروا من البداءة؟ أَلم تفهموا من أساسات الأرض؟ ... ارفعوا إلى العلاء عيونكم وانظروا من خلق هذه .. لكثرة القوة وكونه شديد القدرة لا يُفقَد أحد » (إش40: 21-26).
إذاً فالخلق بكلمة قدرة الله ، كما يقول الكتاب، هو الحل الوحيد المعقول والمنطقي للمعضلة.
في مجال علم الحياة
يعتبر العلماء اليوم أن كل أشكال الحياة، هي نتيجة ظروف عشوائية تحركت بعملية تطور خلال ملايين وبلايين السنين. فبالأسف قد أسقط غالبية العلماء الله من حساباتهم. وكتعبير وليم كلي جعلوا الحقب الطويلة إلههم، والظروف العشوائية إلهتهم، وبتزاوجهما معاً نتج الكون كله وما عليه حتى الإنسان.
على أنه ليس لدى العلماء دليل إيجابي يقدمونه على نظريتهم هذه، بل إنها مبنية على افتراضات. ورغم أن نظريتهم هذه اصطدمت بعقبات كثيرة، أشهرها "الحلقة المفقودة" في سلسلة التطور، فكل ما ظنوه مكملاً لهذه الحلقة اتضح أنه هزل في موضع الجد*، إلا أنهم يعتبرونها أكثر معقولية من قبول الله. فيا للأسف!!
لكن حتى لو اكتملت هذه الحلقات كلها، تبقى نظريتهم عرجاء. لأن ظهور نوع من حياة أرقى، ناتج من حياة أدنى، حتى لو حدث، لا يعنى الخلق. ويظل السـؤال من الذي أوجد الحياة في صورتها البدائية حيث لم يكن أحد ليوجدها، ولا شئ لتنشأ عنه عشوائياً؟
لن نجـد الحل الصحيح سوى في الكتاب المقدس. قال الله « نعمل الإنسان على صورتنا كشبهنا » (تك1: 26). لاحظ الدقة العجيبة هنا؛ فإن تعبير الخلق (وهو إيجاد شئ لم يكن له سابق وجود، من لا شيء) لم يرد في تكوين1 سوى ثلاث مرات فقط. ففي البدء خلق الله السماوات والأرض (ع1)، أي خلق الله المادة، أما تغير أشكالها فليس بخلق. ثم في اليوم الخامس خلق الله النفس الحية في الحيوانات. لأنه مهما حاول البشر إيجاد الحياة من المواد الكيماوية والهواء فقط كما زعـم بعض الفلاسفة الملحدين هو هراء. وقول الماديين إن الإنسان مجرد مادة متحركة هو زعم باطل. الله وحده هو الذي يعطى الجميع حياة ونفساً وكل شئ (أع 17: 25). ثم بعد ذلك في اليوم السادس قال الله « نعمل الإنسان ».
والإنسان كائن ثلاثي : جسد يربطه بالأرض التي منها أُخِذ، وهو في هذا يشبه النبات، ولا يستوجب تكوين الجسد خلقاً من الله. ثم نفس، بها يشعر ويتألم ويفرح إلخ، مثـل ما للحيـوان. ونظراً لأن النفس قد خُلِقَت في اليوم الخامس فلم يستوجب تكوينها في الإنسان خلقاً جديداً. لكن بعد أن جبل الرب الإله آدم من الأرض تراباً، فإنه اختصه دون سائر المخلوقات بأن نفخ فيه نسمة حياة (هي الروح)، وبها أصبح الإنسان هو الكائن الوحيد الذي له توافق أدبي مع الله، كما له صفة الخلود. لذا تـرد كلمة الخلق للمرة الثالثة في تكوين1، فبعد أن قال الله « نعمل الإنسان » (ع26)، يرد القول « فخلق الله الإنسان » (ع27)!
هذا ما يقوله الكتاب المقدس عن أصل الإنسان. وقديماً قال فلاسفة الإغريق إننا ذريـة الله (أع17: 28) وهم في هذا على صواب، بعكس ما قاله الفلاسفة أخيراً إننا ذرية القرود!! يا ليتهم أنصتوا إلى كلام بلدد الشوحي « تعقلوا وبعد نتكلم. لماذا حسبنا كالبهيمة وتنجسنا في عيونكم؟!» (أى18: 2، 3).
وهكذا مرة ثانية يقدم الكتاب المقدس حلاً لمشكلة لم يستطع العلم للآن ولن يستطيع أن يعطى لها حلاً.
في مجال علم الفلسفة واللاهوتيات
الله، الواحد الأزلي، تُرى ما الذي كان يفعله خلال الأزلية السحيقة، قبل أن يخلق الكـون وما فيه من ملائكة وبشر؟ في الأزلية، حيث لم يكن أحد سواه ماذا كان يفعل؟ هل كان يتكلم ويسمع ويحب، أم أنه كان صامتاً معتزلاً وفي حالة سكون. إن قلنا إنه لم يكن يتكلم ويسمع ويحب، لكان معنى ذلك أنه قد طرأ عليه التغيير، لأنجه قد تكلم إلى الآباء بالأنبياء، كما أنه اليوم سامع للصلاة ، كما أنه يحب إذ أنه الودود. نعم؛ إن قلنا إنه كان ساكناً لا يتكلم ولا يسمع ولا يحب، ثم تكلم وسمع وأحب فقد تغير، والله تعالى منزه عن التغيير أو التطور؛ لأنه الكامل أزلاً وأبـداً. ومن الجانب الآخر إن قلنا إنه كان يتكلم ويسمع ويحب في الأزل، قبل خلق الملائكة أو البشر، فمع من كان يتكلم؟ ولمن كان يسمع؟ ومن كان يحب؟!
إنها حقـاً معضلة، حيّرت الفلاسفة، وجعلتهم يفضلون عدم الخوض في غمارها إذ شعـروا بأن حلها ليس عندهم. وقد عبر أحدهم على ذلك بالقول "البحث في ذات الله إشـراك، والجهل بذاته إدراك". وقال آخر "تفكروا في خلق الله، ولا تفكروا في ذاته فتهلكوا، لأنه مهما خطر ببالكم عنه فهو بخلافه".
أما الكتاب المقدس فلأنه كتاب الله الذي فيه أعلن الله لنا ذاته، فقد أخبرنا أن هذا الإله الواحد ثلاثة أقانيم "متحدون دون اختلاط أو امتزاج، ومتميزون دون افتراق أو انقسام". وبهذا فإن الله الواحد كان في الأزل يمارس كل الصفات والأعمال الإلهية من حديث واستماع ونظر ومحبة .... إلخ، بين أقانيم اللاهوت، بل وقبل وجود المخلوقات، وبغض النظر عن وجودها، لأن كماله، له المجد، يقتضي أن يكون هو مكتفياً في ذاته بذاته.
إذا فوحدانية الله ليست وحدانية مجردة أو مطلقة، بل هي وحدانية جامعة مانعـة؛ جامعـة لكل ما هو لازم لها، ومانعة لكل ما عداه. وبناء على ذلك فإن الله منذ الأزل هو كليم وسميع، محب ومحبوب، ناظر ومنظور، دون أن يكون هناك شريك معه، ودون احتياجه جلّت عظمته – إلى شئ أو شخص في الوجود. فليس من المنطقي أو المعقول أن صفات الله كانت عاطلة في الأزل، ثم صارت عاملة عندما شرع في الخلق!
ومع أنه ليس في دائرة الملموسات وحدة شبيهة بهذه الوحدة الجامعة المانعة، إلا أنه أمـر طبيـعي أن يكون الخالق أسمى من المخلوق « فبمن تشبهونني فأساويه يقول القدوس » (إش40: 25) بل إن سمو هذه الحقيقة فوق العقل، دليل على أنها ليست من اختراع العقل البشرى، ولا من نتاجه لأنها أعلى منه، وإن كانت ليست ضده ولا تتعارض معه.
وهكذا أعطى الكتاب المقدس حلاً لمشكلة حيرت الفلاسفة ولا تزال
في مجال علم الجيولوجيا
قال أحد علماء الجيولوجيا "إن أعظم مشكلة لم تستطع كل النظريات الجيولوجية أن تعطي لها التفسير المقبول من الجميع هي تلك الظاهرة المدهشة، لاختلاط بقايا حيوانات من أنواع مختلفة وبيئات متباينة، اكتُشفت بكميات هائلة مدفـونة معاً داخل أجزاء متعددة في كل أنحاء الأرض، من ضمنها تلك الأنواع من الحيوانات التي اندثرت".
وفي طبقات الأرض وُجِدت أيضاً أمور أخرى غريبة؛ فإن بقايا حيوانات لا  يمكن أن تعيش إلا في أعماق المحيطات وجدت معجونة في الصخور الموجودة على قمم الجبال، وعظام حيوانات أخرى لا تعيش إلا في المناطق الحارة وجدت مدفونة في التربة المتجمدة من المناطق القطبية. كما أن هناك اكتشافات أخرى حديثة عن جبال بحرية ما هي في الحقيقة إلا جزر غارقة في وسط المياه، لعل أشهرها قارة أتلانتا في المحيط الأطلنطي. وثمة أكثر من دليل على أن هناك بعض المناطق تحت المحيط بأعماق تزيد عن 300 متراً كانت يوماً ما فوق الماء!!
حاول الجيولوجيون وضع النظريات لتفسير هذه الظواهر، وتعددت نظرياتهم، أما من كان منهم يؤمن بوحي الكتاب المقدس وما ورد فيه، فقد أدرك على الفور أن الطوفان*هو الإجابة المقنعة تماماً على تلك الظواهر!
فتلك الأعداد الهائلة التي تقدر بالمئات والآلاف لأنواع مختلفة من الحيوانات مدفونة معاً في فترة واحدة، لا شك أنها دُفِنَت بسب كارثة عظيمة. وتكرار هذه الظاهرة في كل أنحاء الأرض معناه أن هذه الكارثة كانت على مستوى العالم كله.
والطـوفان بطبيعة الحال لم يكن مطراً كالذي نعرفه، إذ أنه غطى الأرض كلها تماماً. والكتاب المقدس نفسه يستخدم تعبيراً فريداً إذ يقول « انفجرت كل ينابيع الغمر العظيم وانفتحت طاقات السماء » (تك7: 11). فما معنى هذا؟
إذاً رجعنـا إلى تكـوين1، نفهم أن الله أوجد الجلد في اليوم الثاني ليكون فاصلاً بين مياه ومياه. المياه التي تحت الجلد تكونت منها البحار، وأما تلك التي فوق الجلد فهي – على الأرجح – التي استخدمت لإغراق الأرض بالطوفان.
ولعله ملفت للنظر أنه في اليوم الثاني فقط لا نقرأ القول « رأى الله ذلك أنه حسن »، لأن الدينونة هي عمل الله الغريب، لأنه « يسرّ بالرأفة » (مى7: 18، إش28: 21).
فقبل الطوفـان كـان في الجلد - أي في منطقة الفراغ اللانهائي - غلاف مائي أحاط بالكرة الأرضية، يوضحه قول الرسول بطرس « السماوات كانت منذ القديم (أي قبل الطوفان) والأرض، بكلمة الله قائمة من الماء وبالماء » (2بط 3: 5)، وكلمة « بالماء » ترد في الأصل « في المياه »؛ محاطة بها. هذا الغلاف المائي جعل الأرض كلها أشبه ببيوت النباتات الزجاجية، فكانت حرارتها معتدلة طول العام. وكان نتيجة لزوال هذا الغلاف بالطوفان أن ظهر الفارق في درجات الحرارة على مـدار السنة*. هذا يفسر لنا وجود بقايا نباتات وحيوانات استوائية في مناطق القطبين.
أما بالنسبة لينابيع الغمر العظيم، فمعروف أن الأرض حالياً في دورانها حول محورها تدور بميل قدره 23.5 درجة، مسببة تغير الجو في فصول العام. ويرجح بعض العلماء أن الأمر لم يكن هكذا من البدء بل قد حدث هذا الميل بصدد الطوفان فكان نتيجة هذا الميل الفجائي، طغيان للماء على اليابسة وهو ما أسماه الكتاب بانفجار ينابيع الغمر العظيم (إشارة لمياه المحيطات العميقة)، وهو ما يفسر ظهور بقايا حيوانات بحرية وسط الأرض اليابسة، وأن كثيراً من الأراضي التي كانت مسكونة يوماً أصبحت الآن مغمورة وسط المياه.
بقى السؤال : أين ذهبت هذه المياه الهائلة التي أغرقت الأرض كلها ؟
أولاً: إن حدوث التغير في الظروف الجوية، ساعد على تكوين منطقتي الجليد القطبيتين اللتين يقول عنهما الخبراء إنهما لو ذابتا لأغرقتا معظم الأرض.
ثانياً: يرجح جداً حدوث تغير في قشرة الكرة الأرضية، فارتفعت الأرض في بعض الأماكن، وبالتالي انخفضت في أماكن أخرى مستوعبة الزائد من المياه. فهنـاك في الطبيعة آثار باقية لهذا التغيير ليس من السهل تفسيرها، إذ في كثير من الأماكن توجد طبقات الصخور الأقدم عمراً فوق الطبقات الأحدث عمـراً. ويؤيد هذا التفسير ما ذكره الكتاب المقدس في مزمور104، فإن الطوفان إذ كسا الأرض حتى غطى الجبال (ع6)، فقد تداخـل الرب لإنهاء هذه الحالة (ع7)، فيقول « تصعد الجبال*، تنزل (المياه) إلى البقاع، إلى الموضع الذي أسسته لها. وضعت لها تخماً لا  تتعداه. لا ترجع لتغطى الأرض » (ع8).
ثالثاً : إنه بلا شك قد حدث ارتفاع عام في مستوى الماء في الأرض. وقد تأكد مؤخراً بواسطة سفن غواصات الأعماق في سلاح البحرية الأمريكية أن مستوى الماء كان منخفضاً بكثير عما هو عليه الآن!
في مجال علم التاريخ والميثولوجي
بالإضافة إلى الطوفان (الذي سبقت الإشارة إليه في الفصل الخامس عشر)، هناك حادث آخر تحدثت عنه أهم السجلات التاريخية المحفوظة في العالم؛ كسجلات مصر والصين واليونان. فهيرودتس الملقب بأبي التاريخ، قال في تسجيله لتاريخ مصر القديم إن بعض الكهنة المصريين أروه مخطوطات قديمة تتحدث عن يوم أطول بكثير من المعتاد! وفي الصين هناك كتابات قديمة ذكرت أن حادثاً مشابهاً قد حدث أثناء حكم الإمبراطور "ييو". وبمراجعة سجلات تواريخهم اتضح أنه كان يحكم الصين في زمن يشوع بن نون شخص بهذا الاسم. بل وحتى تاريخ الهـند والمكسيك يتحدث عن توقف للشمس وتأخرها في الغروب في نفس العام الذي فيه دخل يشوع والشعب أرض الموعد!
هذا الحادث، سببه وكيفية حدوثه، مذكور بالتفصيل في يشوع10. ولعهد قريب كـان النقـاد يتخذون من هذا الأصحاح سلاحاً قوياً للطعن في صحة كلمة الله على أسـاس خطئه واستحالته عملياً، واليوم أصبح هذا الأصحاح نفسه من أقوى الأدلة على دقة وصحة ما ورد في الكتاب المقدس، كما سيتضح فيما يلي.
في عام1890 قام عالم الرياضيات "توتن" بعمليات حسابية دقيقة، حسب فيها أزمنـة الاعتـدال والكسوف والعبور الشمسي من أيامه رجوعاً إلى المنقلب الشتائي في زمن يشوع، فوجد أنه يقع يوم الأربعاء. ثم قام بالحساب عكسياً اعتباراً من يوم الخليقة صعوداً إلى نفس الزمن السابق، فوجد أنه يقع يوم الثلاثاء!! الفرق إذاً هو يوم كامل، فهل هناك من حل لهذه الأحجية سوى هذا اليوم الطويل على عهد يشوع؟
لكـن مشكلة أخرى تقابلنا وهي قول الكتاب « فوقفت الشمس في كبد السماء ولم تعجل بالغروب نحو يوم كامـل » (يش10: 13). لاحظ القول "نحو يوم كامل" وليس يوماً كاملاً؛ فأين الاختلاف؟
يسجل الكتاب المقدس حادثاً آخر أيام الملك حزقيا فيه رجعت الشمس إلى الوراء عشر درجات (أي ما يعادل أربعين دقيقة). فإذا أضفنا هذه المدة إلى مدة توقف الشمس أيـام يشوع التي حسبها عالم الرياضيات توتن بأنها تساوى 23 ساعة و 20 دقيقة، لنتج لنا هذا اليوم الكامل!
ثمـة اعتراض آخر أثاره المعترضون وهو قول يشوع « فدامت* الشمس ووقف القمر »، فمعروف أن تعاقب الليل والنهار لا ينتج بسبب حركة الشمس بل دوران الأرض حول محورها أمام الشمس. ومع أن الكتاب المقدس كما أوضحنا في الفصل السابق لا يستخدم التعبيرات الفنية التي لا يفهمها سوى الخاصة، إلا أن هذه الكلمة نفسها ظهر أنها تحمل دقة الكتاب العجيبة. فبفعل الموجات الشمسية الهائلة الذبذبات (400 بليون ذبذبة / ثانية)، التي تقع على سطح الأرض يحدث دوران الأرض حول محورها. فلو قلت هذه الذبذبات لقلت سرعة دوران الأرض، ولو بطلت هذه الذبذبات لتوقفت الأرض. ولهذا نقرأ أيضاً أن القمر وقف!!
هذا هو حل اللغز الذي اتفقت عليه ميثولوجيا شعوب متباعدة لم تكن على اتصال بعضها بالآخر.
معضلة المعضلات وحل الكتاب لها
وكم من معضلات وتساؤلات أخرى يجيب عليها الكتاب المقدس. لكن أهم هذه المشكلات جميعها التي يعطى كتاب الله حلاً جذرياً لها لا تجد نظيراً له على الإطـلاق، هي مشكلة الخطية. فأنت تعرف أنك كثيراً ما تخطئ ضد الله؛ ومع أن الله رحيم غفور لكنه أيضاً بار وقدوس. إذا أُمسِك القاتل متلبساً بجريمته فإنه لا يمكن أن يقف أمام المحكمة ليعلن أنه تاب ولن يعود للقتل مرة أخرى. ولا ينفع أيضاً أن يتعهد أمام المحكمة ببناء ملجأ للأيتام أو أن يعطى كل أمواله للأعمال الخيرية مقابل أن تسامحه المحكمة، فهذه الأمور لا تبرر القاتل ولا تبرر الزاني. فهل نظـن أن عدل الله وبره أقل من عدل الإنسان؟! إنك ستقف يوماً أمام عدالة الله فماذا ستكون حجتك يومئذ؟! وإذا كان الله مستعداً أن يرحم فعلى أي أساس؟
كتاب الله يعطى حلاً للسؤال الخالد « كيف يتبرر الإنسان عند الله ؟» (أى25: 4). إنـه يقدم لك قصة المسيح ابن الله، الذي جاء ليموت وهو البار لأجـل الفجار. والآن كل من يؤمن به، فإن عدالة الله تطالب بتبريره، لأن بديله قد دفع أجرة خطاياه. وبهذا فقد اجتمع الشتيتان في الصليب؛ رحمة الله وحقه (انظـر مز85: 10)، وكلاهما يطالب بتبرير المذنب الذي آمن بالمسيح!! هذا هو مضمون الإعلان العظيم « متبررين مجاناً بنعمته بالفداء الذي بيسوع المسيح الذي قدمه الله كفارة بالإيمان بدمه … ليكون (الله ) باراً ويبرر من هو من الإيمان بيسوع » (رو3: 24-26).
أتؤمن بابن الله؟ اقرأ الكتاب المقدس بتواضع باعتباره صوت الله إليك، واعرف منه طريق الخلاص. « اسمعوا واصغوا. لا تتعظموا لأن الرب تكلم » (إر13: 15).
يعقِّلُ كلَ من جهل
ومنه العلمُ قد نهل
لسائلك إذا سأل
ويبدي الحلّ والفصلَ
 
وفتحُ كلامه نورٌ
وفيه كنوزُ معرفةٍ
فيا من تطلب الحلَّ
فعدْ للوحي يخبركَ
****
ونختم الفصل بعبارتين لاثنين من المشاهير؛ الأولى قالها العالم المشهور ميخائيـل فراداي مكتشف مغناطيسية الكهرباء "لماذا يضل الناس وعندهم هذا الكتـاب الثمـين، الكتاب المقدس ليرشدهم؟!" كما قال الرئيس الأمريكي أبراهـام لنكولن "لقد تأكد لي منذ فترة بعيدة أن الإيمان بالكتاب المقدس كما يعلن هو نفسه أمر أقل صعوبة من عدم الإيمان به"
عزيزي: إن من يُصِر على رفض الكتاب المقدس سيكتشف، لكن بعد فوات الأوان، أنه لا يوجد أصعب من عدم الإيمان به!!

دقة محتوياته العلمية للاخ يوسف رياض

بعض الناس يلتمسون العذر للكتاب المقدس عن الأخطاء العلمية التى يظنونها فيه باعتبار أنه ليس كتاباً علمياً، ومجاله يقتصر على الروحيات. ومع أن الكتاب المقدس بالفعل ليس كتاباً علمياً، إلا أنه رغم هذا دقيق جداً من الناحية العلمية، كما سنرى بعد قليل.
وإننا بداية نشكر الرب لأن الكتاب المقدس لم يُصَغ بأسلوب علمي، وذلك للأسباب الآتية على الأقل.
1- لأن الكتاب العلمي يلزم إعادة كتابته كل قرن أو ربما كل جيل ليتمشى مع ما يكتشفه البشر من حقائق علمية جديدة. وهذا ما لا يليق بكتاب إلهي.
2- لأن كتاباً يكتب بأسلوب علمي يكون بعيداً عن متناول البسطاء من البشر، ويستحيل عليهم فهمه. أما كتاب الله المكتوب بلغة روحية وأسلوب إلهي فهو مقدم للجميع. كمياه المحيط التى فيها يسبح الطفل وفيها يغرق العالم.
3- لأن العلم ونظرياته المرتبطة بالعالم الذى يزول، ليس هو غرض الكتاب. فالكتاب أساساً يكلمنا عن الخالق لا الخليقة، وعن خلاص النفس الأبدي لا عن استخدام العالم فى الزمان الحاضر. ولهذا فإنه يخاطب القلب أكثر من العقل.
وقبل الخوض فى هذا الموضوع العظيم دعنا نبدأ بهذا المثال الأولي. فمعروف أن الأجسام تتمدد بالحرارة وتنكمش بالبرودة، وبهذا القانون البسيط يمكن لأي شخـص نصف متعلم أن يؤكد أن الثلج أثقل من الماء، اعتماداً على هذا القانون المعروف. ولـو كان ذلك كذلك لغرق الثلج فى قاع الماء، وبالتالي بعد عدة فصول شتاء فى المناطق الباردة، ونتيجة لتراكم الثلج، فإن كل الأنهار والبحيرات ستتحول إلى ثلج لا يمكن لأشهر الصيف الدافئة أن تذيبها كلها. لكن هذا الاستنتاج الخاطئ بنى على قانون معروف ومسلّم به من الجميع. على أن الله فى عظمته وحكمته جعل فى الماء خاصية مختلفة قبل أن يصل إلى نقطة التجمد، وهذه الخاصية من شأنها أن تجعل الثلج يطفو على سطح الماء ولا يغرق!
والآن كثيراً ما تساءل البشر: هل كلمة الله (التى هي في الواقع الحقيقة الكاملة والصحيحة) تتفق مع استنتاجاتهم المبنية على معرفة جزئية، التي يسمونها العلم؟ طبعـاً لا يمكن أن يكون كذلك، لأن ما كان البشر يؤكدون صحته من خمسمائة عام ظهر خطؤه اليوم، ومن يدرى ماذا سيحدث غداً؟
في سنة 1861 أعلنت الأكاديمية الفرنسية للعلوم عن اكتشافها 51 غلطة في الكتاب المقدس. ثم مرت الأعوام وتقدم العلم وإذا بالعلم يصحح نفسه، وقلّت هذه الأخطاء المنسوبة للكتاب. ثم مع مرور الأعوام اتضح أن هذه الأخطاء كانت كلها أخطاء الأكاديمية لا أخطاء الكتابالمقدس. ولا عجب « لأن الرب إله عليم».
نعم إن الكتاب المقدس ليس بالكتاب العلمي البحت، لكنه مع ذلك يخلو تماماً من أية خرافات كالتي تشملها بعض الكتب القديمة فى ديانات أخرى. بل ويحتوى أيضاً على إشارات علمية دقيقة يستحيل معها أن يكون قد كتبه مجرد بشر عاديين، لاسيما لو تذكرنا فى أي عهد قد كُتب، ومستوى التفكير البشرى وقتها.
وسنشير فيما يلي إلى القليل من الحقائق العلمية الرائعة التي في الكتاب تحت العناوين الآتية:
أولاً: دقة الحقائق الفلكية
1- اتساع الكون وعدد النجوم والكواكب اللانهائي:
إذا رجعنا إلى الماضي لنعرف رأى القدماء عن هذا الأمر، سنجد أن تقدير أفضل العلماء والفلكيين الذين عاشوا حتى عام 150م. هو أن عدد النجوم الكلى يبلغ نحو 3 آلاف نجم. ثم إذا تحولنا لنرى ماذا يقول العلم الحديث عن هذا الأمر سنندهش حقاً. فلقد ورد فى أحد المراجع العلمية عام 1930 أن عدد النجوم فى السماء يبلغ نحو 300 بليون نجم. ثم زادت المعرفة بعد ذلك حتى إنه فى عام 1958 قُسِمت مجموعات المجرات إلى أكثر من 2700 مجموعة، كل مجموعة تحوى على الأقل 50 مجرة، وفى كل مجرة نحو 100 مليون نجم!! فلقد استطاعت التلسكوبات الحديثة رصد النجوم التى تبعد حتى مسافة 2000 مليون سنة ضوئية. على أنه أمكن أخيراً وبالأجهزة المعقدة، رصد النجوم الأبعد من ذلك، والتى لا تعطي ضوءاً ظاهراً!!
والآن ماذا تقول كلمة الله عن اتساع السماوات وعن عدد النجوم؟ إن الرب فى نبوة إرميا يضع الأمرين فى صيغة تفيد استحالة قياس أي منها « هكذا قال الرب إن كانت السموات تُقاس من فوق وتُفحص أساسات الأرض من أسفل فإني أنا أيضاً أرفض كل نسل اسرائيل من أجل كل ما عملوا يقول الرب » ثم لاحظ أيضاً كيف تقرن كلمة الله بين هذين الأمرين « كما أن جند السموات لا يُعَد ورمل البحر لا يُحصى هكذا أكثّر نسل داود عبدي واللاويين خادميّ » (إر31 : 37، 33 : 22)
2ـ كروية الأرض وباقي الأجسام الكونية واستدارة مداراتها:
كان الأقدمون يعتقدون أن الأرض مسطحة. وكان أول من اكتشف استدارتها هو كولمبس عام 1492، ثم جاء من بعده كوبرنيكوس في أوائل القرن السادس عشر وبدأ يشكك فى النظرية القديمة أن الأرض مستوية. إلى أن جاء جاليليو وأكد في أوائل القرن السابع عشر على كروية الأرض. فمـاذا يقول الكتاب المقدس عن هذا الأمر؟
في أسلـوب مجازى يتحدث سليمان (نحو عام 950 ق. م.) عن ظهور الأرض إلى الوجود فيقول « لما رسم (الرب) دائرة على وجه الغمر» (أم8: 27). ويتحدث إشعياء (نحو عام 700 ق. م.) فى نبوته عن عظمة الله بالنسبة للأرض ومن عليها فيقول «الجالس على كرة الأرض، وسكانها كالجندب (أي الجراد)» (إش 40 : 22)
3ـ دوران الأرض حول محورها:
عندما قال عالم الفلك "جاليليو" (عام 1564- 1642) أن الأرض تدور حول الشمس اعتبرته الكنيسة وقتها هرطوقاً، وكاد أن يفقد حياته لو لم يتراجع مفضّلاً الحياة على إقناع الجهلاء بما لم يكونوا مستعدين وقتها أن يقبلوه. لكن الكتاب المقـدس من نحو أربعة آلاف سنة سجل قول الرب فى سفر أيوب عن كيفية تعاقب الليل والنهار « هل فى أيامك أمرت الصبح؟ هل عرّفت الفجر موضعه؟ ليمسك بأكناف الأرض . . . تتحول (أي تدور حول محورها) كطين الخاتم، وتقف كأنها لابسة » (أي 38 : 12-14).
ولقد ورد على لسان الرب يسوع ما يعتبر دليلاً جميلاً على هذه الحقيقة عينها، لما قال عن وقت مجيئه الثاني « يكون اثنان على فراش واحد فيؤخذ الواحد ويترك الآخر. تكون اثنتان تطحنان معاً فتؤخذ الواحدة وتترك الأخرى، يكون اثنان في الحقل فيؤخذ الواحد ويترك الآخر » (لو 17 : 34-36). ففي لحظة ظهور المسيح سيكون في بقعة من بقاع الأرض ليل والناس نائمون في فرشهم، وفي بقعة أخرى سيكون الفجر والنساء يجهزن الطعام، وفي بقعة ثالثة فى نفس اللحظة سيكون النهار حيث الرجال يعملون فى الحقل!
4ـ الفضاء السابح فيه الكون:
متعددة هى أفكار الفلاسفة والعلماء الأقدمين بخصوص هذا الأمر والتى لا تخرج، فى ضوء العلم الحديث، عن كونها خرافات مضحكة. فكان فلاسفة اليونان مثلاً يعتقدون أن الأرض عبارة عن أسطوانة مسطحة محاطة بالأنهار(!) وأما الهندوس فكانوا يعتبرون العالم محمولاً على ظهر أربعة أفيال ضخمة واقفة على ظهر سلحفاة تسبح فى محيط العالم(!) لكننا - كما ذكرنا قبل قليل - لا نجد شيئاً كهراء هؤلاء الفلاسفة في الكتاب المقدس.
بل إنه حتى القرن السابع عشر لم يكن لدى العلماء أفكار أفضل من هذه، حتى جاء اسحق نيوتن (1687) ليؤكد نفس ما قاله أيوب بالوحي منذ نحو 4000 سنة « يمد الشمال على الخلاء ويعلق الأرض على لا شيء » (أي 26 : 7).
ولعهدٍ قريب جداً لم يكن أحد يفهم معنى تلك العبـارة الأولى « يمد الشمال على الخلاء »، واعتبره البعض من ضمن التجاوزات العلمية. لكن منذ سنوات قليلة قال أحد الأساتذة فى جامعة بال بأمريكا ما ترجمته "باستخدام أكبر التليسكوبات فى نصف الكرة الشمالي، في المرصد البحري بواشنطن، تم اكتشاف منطقة فراغ عظمى، في الأعماق الشمالية للسماء، تقابل الخلاء الذى كتب عنه أيوب"، وذكـر أستاذ آخـر فى مرصد بركس "إن هناك جزءاً كبيراً في السماء من ناحية الشمال بدون نجم واحد، أو بالحري منطقة خلاء"!!
ثانياً: دقة الحقائق الطبيعية
1- النور:
إن أول عمل قام به الله عند تجديد الأرض المذكور فى تكوين1 هو أن قال « ليكن نور فكان نور » (تك1 : 3). وذلك قبل إبراز الشمس فى اليوم الرابع لتلقى بنورها على الأرض. ما أعجب هذا، فلقد كان تفكير الإنسان إلى عهد قريب أن الشمس هى المصدر الوحيد للنور، لكن أمكن حديثاً إكتشاف مصادر أخرى للنور فى الطبيعة بخلاف الشمس، مثل الأشعة البنفسجية وفوق البنفسجية وأشعة إكس!
ولكن يلفت النظر أيضاً أن الكتاب لا يقول إن الله خلق النور، لأن النور كان موجوداً قبل ذلك « الله نور » (1يو1: 5)، « ساكنا فى نور لا يدنى منه » (1تي6: 16). وكذلك لم يقل إنه عمله، لأن النور ليس مادة بل حسب تعريف العلم الحديث عبارة عن كمات (فوتونات) ذات طاقة محدودة، تصاحبها ذبذبات سريعة فى شكل موجات تنتشر فى الأثير. ولذا قال الله « ليكن نور ». وهذه الكلمة من الكلي القدرة كونت الفوتونات وأنشأت الذبذبات المصاحبة لها، فكان النور. وهو عين ما قاله بولس فى العهد الجديد « الله الذى قال أن يشرق نور من ظلمة » (2 كو4: 6، أنظر أيضاً إش 45: 7).
وفى حديث الرب مع أيوب والمسجَّل فى سفر أيوب 38-41 لا يسأل الرب أيوب: أين يسكن النور؟ بل « أين الطريق إلى حيث يسكن النور؟» (أي 38: 19) فالنور لا يسكن فى مكان بل فى طريق إذ يقول العلم إنه يسافر بسرعة حوالى 297000 كيلومتر/ثانية.
وكون الضوء عبارة عن موجات، فهو إذاً فى طبيعته مثل الصوت مع الفارق أن موجاته مستعرضة وتردد ذبذباته أعلا، بينما موجات الصوت طولية وترددها أقل. وأجهزة الاستقبال السمعية عند البشر تتعامل مع الصوت بينما لا تتأثر بالضوء. فنحن لا نسمع صوت النور. وهذا عين ما قاله المرنم فى مزمور 19 «السموات تحدث بمجد الله، والفلك يخبر بعمل يديه .... لا يسمع صوتهم».
وعن حقيقة انكسار الضوء عندما يدخل إلى الغلاف الجوى للكرة الأرضية، نتيجة تغير طبيعة الوسط؛ تأتى كلمات الله لأيوب عندما يشير إلى انكسار الضوء عند دخوله إلى مجال الأرض نتيجة كثافة الجو، مشبهاً الأشعة تشبيها شعرياً فى منتهى الدقة كالأصابع المنحنية لتقبض على الأرض، إذ يقول « ليمسك (الضوء) بأكناف الأرض » (أي 38: 12، 13).
2ـ دورة الماء فى الطبيعة:
إن سقوط الأمطار مكونة الأنهار، ثم انصباب الأنهار فى البحار والمحيطات، ثم حدوث البخر نتيجة لأشعة الشمس فترتفع أبخرة الماء إلى طبقات الجو العليا، وهذه تتكثف نتيجة للبرودة في هذه المناطق فتتكون السحب وتنزل الأمطار؛ وهكذا؛ هذه الدورة التي اكتشفت من قرون قريبة، أسماها أليهو هذه التسمية الدقيقة « موازنة السحاب »! (أي 37 : 16). كما أشار إليها سليمان فى معرض الحديث عن خواء كل شئ، وأن ما كان هو ما يكون فليس تحت الشمس جديد، عندما قال « كل الأنهار تجرى إلى البحر والبحر ليس بملآن. إلى المكان الذى جرت منه الأنهار إلى هناك تذهب راجعة » (جا 1: 7-10 انظر أيضاً أى 36: 27-28، عا5: 8).
أما عن كيفية نزول المطر، فقد كانت النظرية لعهد ليس ببعيد أن الماء المتبخر يتجمع فى سحب هائلة حتى يصبح وزنه أثقل من أن يحمله الجو فينزل على هيئـة مطر بفعل قوى القص (Shearing Force) الناتجة عن الجاذبية، إلى أن اكتشف عالم الطبيعة المشهور "اللورد كلفن" هذا الاكتشاف الذى جعل اسمه يلمـع، وهو أن المطر يحدث دائماً بسبب تفريغ شحنة كهربية فى الجو، وأن البروق تُحدث الأمطـار. والعجيب أن هذه الحقيقـة أشار إليها الكتاب المقدس من آلاف السنين « المُصعِد السحـاب من أقاصي الأرض ... الصانع بروقاً للمطر » (مز 135 : 7 انظر أيضاً أر10: 13، 51: 16).
ولقد حدث أن كان أحد ضباط الجيش الأمريكي يلقى على زملائه محاضرة عن الكهرباء، وأخذ يشرح هذا الاكتشاف العظيم للورد كلفن، وكان هذا الضابط مؤمناً، فأشـار إلى كتاب قديم كان معه، وقال "لكنى أيها السادة أمتلك كتاباً أقدم من جون كلفن بكثير، سبق اللورد في اكتشافه العظيم هذا" .. هذه المفاجأة أثارت شغف الضباط، مما جعلهم بعد المحاضرة يلتفون حول الضابط ليسألوه عن هذا الكتاب القـديم الذى أشار إلى اكتشاف كلفن، فأخرج لهم الكتاب المقدس وقرأ لهم مزمور 135: 7 وإرميا10: 13، 51: 16.
3ـ إستهلاك كتلة الأجرام السماوية:
يظن كثير من الناس أن الأجرام السماوية باقية منذ بدء الخليقة وستستمر كما هى حتى نهاية الزمان. على أن العلم الحديث أوضح أن نتيجة ما تشعه تلك الأجرام من طاقة حرارية وضوء فإنها تفقد مقداراً معيناً من كتلتها باستمرار.
وهذه الحقيقة العلمية الدقيقة أشار إليها الكتاب المقدس فى أسلوب غاية فى الروعة من نحو ثلاثة آلاف سنة عندما قال مخاطباً الرب « من قدمٍ أسست الأرض والسماوات هى عمل يديك، هي تبيد وأنت تبقى، وكلها كثوب تبلى. كرداء تغيرهن فتتغير» (مز102: 25، 26، عب1: 10 ـ 12). وكيف يبلى الثوب؟ إنه لا يبلى فجأة، بل يعتريه القدم يوماً بعد يوم، وتتناقص جدته شيئاً فشيئاً. وبهذه الطريقة عينها تبيد الأجرام السماوية على مدى الآلاف من السنين.
4ـ تحلل العناصر:
وأيضاً حتى أوائل القرن العشرين كان اعتقاد الناس أن العناصر هى أبسط صور المادة وأنه يستحيل تحللها. أو باللغة العلمية كانوا يعتقدون باستحالة انقسام الذرة. لكن عندما جاء ألبرت إينشتين بتفجيره النووي في أوائل هذا القرن، ونتج عن هذا التفتيت طاقة رهيبة وحرارة هائلة، تغير اعتقاد الناس. لكن الكتاب المقدس من ألفى عـام، مستخدماً الرسول بطرس، صياد السمك، سبق وتحدث عن هذا الأمر إذ قال « يوم الرب الذى فيه تزول السماوات بضجيج وتنحل العناصر محترقة … فبما أن هذه كلها تنحل أى أناس يجب أن تكونوا أنتم… منتظرين وطالبين سرعـة مجيء يوم (الله) الذى به تنحل السموات ملتهبة والعناصر محترقة تذوب »! (2بط 3 : 10ـ 12)
ثالثاً : دقة محتوياته وإشاراته الهندسية
1 ـ شكل الفلك وأبعاده:
لما أراد الله أن يخلّص نوحاً وبيته، وأن يحفظ أجناس المخلوقات المختلفة من هلاك الطوفان، لم يكتفِ بأن طلب منه أن يصنع فلكاً، بل أعطاه الله أيضاً الأوصاف الرئيسية للفلك. فليس في أمر الخلاص مجال لتدخل الفكر البشري.
على أن أبعاد الفلك المذكورة في سفر التكوين، تعتبر من وجهة النظر الهندسية أبعاداً مثالية لسفينة كبرى لا تتأثر بالأمواج وتصلح للملاحة بهدوء. فنسبة الطول إلى العرض 6 : 1، هى أفضل نسبة من جهة التوازن والتموج والانقلاب. عن هذا قال أحد خبراء بناء السفن من كوبنهاجن بعد أبحاث فى هذا الموضوع: "إن الأمر الملفت للنظر بالنسبة لهذه الأبعاد أنه بعد آلاف السنين من الخبرة فى مجال بناء السفن، علينا أن نعترف أن النسبة المثالية لسفينة كبيرة هى نفـس نسب فلك نوح فى تكوين 6". وقال أيضاً الدكتور هنري موريس عن نفس الموضوع "إن الفلك بأبعاده الواردة فى سفر التكوين لا يمكن أن ينقلب إلا إذا وقف رأسيا".
2ـ سعة الفلك وتهويته:
حسبت سعة الفلك باعتباره لم يصمم بغرض السفر بل فقط للطفو فوق الماء، وبالتالى كان مفلطحاً من قاعه ومربعاً من الأطراف وقائم الزوايا، بلا مقدمة أو مؤخرة (مما يزيد السعة بمقدار الثلث عن السفن العادية). وباعتبار وحدة القياس المستخدمة، وهى الذراع تساوى نحو 52.5 سم فإن السعة هى نحو 65 ألف متر مكعب، وهى تعادل حمولة عشرين قطاراً للبضاعة يحتوى كل منها على 60 عربة من نوع العربات المستخدمة حالياً. وهى بلا شك حمولة تكفى تماماً المخلوقات والطعام اللازم لها. لاسيما إذا تذكرنا أن الله قد أمر نوحاً أن يأخذ معه من الطيور والحيوانات كأجناسها* (Kinds) وليس من كل أنواعها (Varices).
هذا المكان الفسيح بما فيه من تجمع ضخم للكائنات الحية كان يحتاج إلى نظام تهوية دقيق لتنفسها، فجاء أمر الله بأن تُرفع جوانب الفلك الأربعة إلى أعلا تاركة نافذة باستدارة الفلك، وتكون تحت السقف مباشرة وعرضها ذراع واحد. وهو ما يعطى نافذة مساحتها نحو 200 متر مربع وهى مساحة تكفى تماماً لتجديد الهواء داخل الفلك. ولقد أشـار الكتاب إلي أن هذه الكوة المستطيلة بطول الفلك هي « من فوق »؛ أي في أعلى الفلك. وهذا ما يتفق مع أفضل أساليب التهوية حيث تعمل تيارات الحمل على رفع الهواء الساخن نتيجة التنفس إلى أعلى ليحل محله هواء نظيف قد تجدد بواسطة هذه الكوة.
3ـ العوازل المضادة للحريق:
منذ عدة سنوات فقط اكتشف بعض العلماء أن الباب الخشبي المجلد بإحكام بالنحاس هو مقاوم تماماً للحريق. وقد قُبِل هذا الاكتشاف من قسم الحريق بلندن إذ أختُبِر هناك فتحمل كل الاختبارات، واعتُمِد باعتباره تأميناً كاملاً ضد الحريق. لكن الله منذ نحو 3500 سنة وهو يعطى تعليمات خيمة الاجتماع لموسى أمره أن يصنع مذبح النحاس، وهو المكان الذي لم تكن النار تنطفئ عليه نهاراً وليلاً، من خشب السنط المغشى بالنحاس!! (خر 27 : 1، 2و لا 6 : 12، 13).
رابعاً : دقة الإشارات والإرشادات الطبية
الدورة الدموية: من الإشارات الفسيولوجية الدقيقة التى سبق الكتاب المقدس فيها العلم بما يزيد عن 2500 سنة نذكر الدورة الدموية التى اكتشفها العالم "وليم هارفي" سنة 1615م.، لكن سليمان سبق وتحدث عنها في سفر الجامعة 12 بأسلوب مجازي لكنه دقيق علمياً، مشبهاً إياها بالجرة على العين التى تنقل مادة الحياة إلى حيث يلزم. كما يشير أيضاً إلى الحبل الشوكي، والجمجمة التي تحتوى على المخ (حبل الفضة وكوز الذهب). وإذ يبطل عمل كل من الجهاز العصبي والجهاز الدوري « يرجع التراب إلى الأرض التى أخذ منها». وهذه الإشارة الأخيرة أكدها أيضاً علم التحليل الكيميائي الحديث الذى أثبت أن جسم الإنسان يتألف من 16 عنصراً جميعها في تركيب التراب!
ارتباط الجسد الفسيولوجى: ولقد أشار الكتاب المقدس إلى الارتباط الفسيولوجى بين أعضـاء الجسم وأنظمته المختلفة بقوله « إن كان عضو واحد يتألم فجميع الأعضاء تتألم معه » (1 كو12 : 26). وحتى اليوم، برغم التقدم الهائل في أنظمة التحكـم الآلي، فإنه باعتراف العلماء المتخصصين لا توجد في كل العالم آلة تعمل بارتباط وثيق بين كل أنظمتها المختلفة نظير جسم الإنسان!
الحياة في المخ: أما ما يقوله الطب الحديث أن حياة الإنسان هي في مخه، أي في الرأس فإنه يتمشى مع ما ذكره الكتاب المقدس عرضاً، من أن المسيح وقد صار رأساً للكنيسة بعد الموت والقيامة والصعود، وأرسل الروح القدس ليربط المؤمنين معـاً معه كالرأس فى السماء فإنه أصبح حياتنا (كو 3 : 1 ـ 4). كقوله الحلو «أنى أنا حي فأنتم ستحيون» (يو 14 : 19).
ضربة القمر: ولقد أشار الكتاب المقدس في مزمور 121 إلى حفظ الرب لأتقيائه من ضربة الشمس في النهار وضربة القمر في الليل. وثبت فعلاً أن القمر، لاسيما في البيئة الصحراوية، له تأثير ضار وينتج عنه أحياناً العمى أو الجنون.
الصحة العامة: ويشير الكتاب المقدس أيضاً إلى كثير من الأوامر الإلهية التى طلب الله من الشعب القديم إتباعها وأثبت العلم الحديث أنها إرشادات صحية على جانب عظيم من الأهمية بالإضافة إلى ما فيها من تعاليم روحية مباركة نذكر منها على سبيل المثال: التمييز بين الحيوانات والطيور الطاهرة والنجسة (لا 11)، وكذا عدم أكل لحم الحيوان الميت (تث14 : 21). وعدم أكل الشحم (أي الدهون)، نظراً لعلاقته بنسبة الكولسترول فى الدم وتضييق الشرايين (لا7 : 23 ـ 25). وعدم الشرب من المياه الراكدة أو الموضوعة فى إناء مفتوح أو التى تدنست بوقوع حيوان ميت فيها (عد 19 : 15، 17، لا 11 : 29 ـ 36). وكذا حتمية عزل الأبرص (لا 13). وعدم السماح بزيارة المرأة الوالدة، حماية لها من توافد الزوار الكثيرين إليها حرصاً على حياتها وحياة مولودها. وكذا ختان المولود الذكر فى اليوم الثامن (لا 12)، ولقد اتضح أخيراً أن اليوم الثامن هو بالفعل أنسب وقت لهذه العملية سواء من جهة تحمل الطفل، أو سرعة تجلط الدم. وغير ذلك الكثير جداً
****
« يا ابني إن قبلت كلامي وخبأت وصاياي عندك ... فحينئذ تفهم مخافة الرب وتجد معرفة الله . لأن الرب يعطى حكمة . من فمه المعرفة والفهم » (أم2: 1-6).

الكتاب النبوي للاخ يوسف رياض

النبوات في الكتاب المقدس قسمان: قسم منها خاص بالأيام الأخيرة، وهذه قيمتها أن تعطينا فكر الله من جهة ما هو مزمع أن يعمله في العالم، والقسم الآخر تم في الماضي، وقيمتها أنها تعطينا البرهان القاطع بأن هذا هو كتاب الله. نعم فمن غير الله يقدر أن يخبرنا بالمستقبل؟
لنفرض أنني قلت إن السماء ستمطر في مدينة الإسكندرية في شهر نوفمبر القادم. هذا الكلام لن يدهش أي شخص حتى ولو تحقق كلامي، فعادة ما تمطر السماء في الإسكندرية في شهر نوفمبر. أما إذا ذكرت تفصيلات أخرى؛ فحددت اليوم وذكـرت الساعة والدقيقة التي ستمطر فيها السماء، وحددت المدة التي ستستمر فيها السماء تمطر، فإن هذه التفصيلات تعطى لنبوتي قيمة، مما يجعلها شيئا غير عادى.
طبّق هذا الكلام على نبوات الكتاب المقدس؛ أولاً سيدهشك العدد الكبير للنبوات التي في أسفار العهد القديم، كما ستدهشك الدقة العجيبة في ذكر تفصيلات متنوعة وكلها تمت في دقة عجيبة.
ولقد حسب أحد الدارسين عدد نبوات الكتاب المقدس فوجدها 10385 نبوة. ولهذا فلا عجب أن يطلق الرسول بطرس على هذا الكتاب اسم « الكلمة النبوية » ويضيف قائلاً إننا نفعل حسناً إن انتبهنا إليها (2بط1: 19).
فإذا عرفنا أن الإنسان لا يعرف من أمر غده شيئاً (أم27: 1)، وأنه حتى الشيطان لا يعرف المستقبل، حتى تحدى الله قديما الآلهة الوثنية بالقول « أخبروا بالآتيات فيما بعد فنعرف أنكم آلهة » (أش41: 23)، وأن أمر المستقبل في علم الله وحـده كقول دانيآل لنبوخذنصر « السر الذي طلبه الملك لا تقدر الحكماء ولا السحرة ولا المجوس ولا المنجمون علي أن يبينوه للملك. لكن يوجد إله في السموات كاشف الأسرار وقد عرف الملك نبوخذنصر ما يكون في الأيام الأخيرة » (دا2: 27، 28)، يتضح لنا على الفور أهمية هذا الفصل الذي ندرسه.
النبوات الخاصة بالمسيح
فبالنسبة لعدد النبوات عن المسيح ذكر أحد الدارسين واسمه كانون ليدون، أن هناك 333 نبوة عن المسيح وردت فى أسفار التوراة. ولأن المجال لا يسمح بذكر هذه النبوات جميعها فإننا سنكتفي بذكر أهمها. ونُذكِّر القارئ أن هذه النبوات جميعها توجد فى التوراة التى بين أيدي اليهود الذين لا يؤمنون بالمسيح، مما يجعل مسألة تحريف هذه النبوات أو دسها فى هذه الأسفار غير واردة مطلقاً.
التتميم
النبوة
ذُكِر عن المسيح أنه
مت1: 22،23
إش7: 14
سيولد من عذراء
مت2: 5،6
مى5: 2
سيولد فى بيت لحم
مت2: 15
هو11: 1
سيلجأ إلى مصر
مت12: 14-21
إش42: 1-4
سيعيش حياة كاملة فريدة
مت21: 4،5
زك9: 9
سيدخل إلى أورشليم راكبا على جحش
يو13: 18
مز41: 9
أحد تلاميذه سيخونه
مت27: 35
مز22: 16
سيموت مصلوبا
مت 27: 57-60
إش 53: 9
سيدفن فى قبر وجل غنى
أع2: 31
مز16: 10
سيقوم من الأموات
أع1: 2، 9، 11، 22
مز68: 18
سيصعد إلى السماء
هناك عالم رياضيات في جامعة باسادينا في كاليفورنيا بأمريكا يُدعى بيتر ستونر اختار أوضح 48 نبوة من هذه النبوات، ثم طبق نظرية الاحتمالات في أن تتحقق تلك النبوات مصادفة في شخص واحد فوجد أن هذا الاحتمال هو فرصة واحدة أمام رقم فلكى يكتب هكذا: واحد وأمامه 181 صفراً.
2- شعوب الأرض والقارات (تك9، 10)
هذه النبوة القديمة على فم نوح يرجع تاريخها إلى ما قبل الميلاد بنحو 2500 سنة. فهل تمّت؟ نعم إنها تمّت بكل دقة.
فعن حام، ومنه عمرَت قارة أفريقيا (القارة السوداء)، لم يذكره نوح عند بركته لأولاده، وهكذا ظلت معظم القارة الأفريقية أجزاء منسية في العالم، بل وأيضاً حلّت اللعنة بعائلته في كنعان ابنه الصغير، فامتلك اليهود أرضهم وأبادوهم منها، لما كمل مكيال إثمهم. وعن سام الذي منه عمرت قارة آسيا قال « مبارك الرب إله سـام »، فجاء كل الأنبياء وكتبة الوحي من نسله. وعن يافث، الذي منه عمرت قـارة أوربا، قال « ليفتح الله ليافث » ففتح الله له، واكتشف نسله الأمريكتين ثـم استراليا. وقال أيضاً « ليسكن فى مساكن سام »، لهذا فإن نسل يافث من قديـم الزمـان؛ من أيام الإسكندر الأكبر كانوا أشهر الغزاة الفاتحين. ففي التاريخ القديم نجد اليونان ثم الرومان وفى التاريخ الأوسط نجد الإيطاليين والأسبان والبرتغال، وفي العصر الحديث الإنجليز والفرنسيين، وأخيراً الروس والأمريكان كلهم من نسل يافث كقول الكتاب المقدس من آلاف السنين.
3- اليهود
سأل مرة فردريك الكبير ملك بروسيا واحداً من قواده كان معروفاً عنه الإيمان بالمسيح: هل تقدر أن تبرهن على وحي الكتاب بكلمتين. أجاب "اليهود يا مولاي". ولا عجب فلقد قال هيجل فيلسوف ألمانيا (1770-1831)، إنه قدر أن يستوعب تاريخ الأمم الأخرى أما تاريخ اليهود فكان أمامه لغزاً معقداً لم يستطع حله" وهاك بعض المتفرقات من النبوات التي قيلت عنهم في الكتاب وتمت في دقة عجيبة:
1- تشتيتهم بين الأمم لشرهم : تحدث موسى نحو عام 1500 ق. م. عما سيحدث لهذا الشعب عندما يخطئون ضد الرب إلههم، وقال إنهم سيتشتتون فى كل العالم مرتين (تث28: 36، 49). وهذا ما تم فعلاً. المرة الأولى كانت بواسطة جيوش الكلدانيين سنة 588 ق.م. والثانية على يد الرومان بقيادة تيطس فاسباسيان سنة 70 م. وها هم اليوم نتيجة هذا التشتيت الأخير موجودون فى كل بلاد العالم! (انظر أيضاً تث4: 27، 28: 64، إر9: 16، حز7:15).
وقبل أن يحدث السبي البابلي بنحو 150 سنة حدد إشعياء اسم الأمة التي ستستعبدهم (إش39: 6)، ثم ذكر إرميا النبي المدة بالضبط التي سيستعبدون فيها، وهي سبعون سنة أو أجيال ثلاثة (إر25: 11، 27: 7). وهو ما حدث بكل دقة بعد ذلك (2أخ 36: 21،22 و دا 9: 2،20-23).
2- رفضهم لمسياهم أولاً وصلبهم إياه : أوضحت النبوات أن اليهود سيرفضون مسياهم أولاً، ثم بعد ذلك سوف يقبلونه. ما أوضح ما جاء بهذا الصدد في نبوة إشعياء 53، حيث يقـول النبي « كمستر عنه وجوهنا، محتقر فلم نعتد به»،  وأيضاً زكريا 12 حيث يقول النبي « وأفيض على بيت داود وعلى سكـان أورشليم روح النعمة والتضرعات، فينظرون إلىّ الذي طعنوه، وينوحـون عليه كنائح على وحيد له ». وبناء على ذلك تذكر النبوات أيضاً أنهم سيظلون فترة كبيرة فى حالة الضياع « بلا ملك وبلا رئيس وبلا ذبيحة وبلا تمثال وبلا أفود وترافيم » (هو3: 4)، ومدة هذا الضياع حددها دانيآل في نبوته (دا9) بالتفصيل وهي عبارة عن سبعين أسبوعاً (من السنين)، أي 490 سنة. تمَّ منها حتى الآن 483 سنة خُتِمت بصلب المسيح. ثم انقطع الزمن - إذ تكونت الكنيسة - وبعد اختطاف الكنيسة لابد وأن تتم فترة السبع سنين الباقية، وهي فترة الضيقة.
3- عيشتهم وحدهم دائماً : فهم عندما كانوا فى الأرض ما كانوا يسمحون باختلاط أحد من الغرباء بهم (عز10: 11، نح13: 3، يو4: 9) وحتى بعد تشتيتهم فى العالم كانوا يسكنون معاً فى مناطق خاصة بهم، ولا يختلطون بسواهم. وهو عين ما قالته النبوة عنهم، حتى قبل دخولهم أرض كنعان (عد23: 9).
4- خراب أورشليم وخراب الهيكل : هـذا ما قاله المسيح قبيل صلبه عندما نظر مدينة أورشليم وبكى عليها لأنها لم تعرف زمان افتقادها « ستأتي أيام ويحيط بك أعداؤك بمترسة ويحدقون بك ويحاصرونك من كل جهة، ويهدمونك وبنيك فيك، ولا يتركون فيك حجراً على حجر » ( لو19: 43، 44) انظر أيضاً لوقا 23: 28-31 و متى 22: 7.
أما خراب الهيكل فقد أنبأ به المسيح فى عظته من فوق جبل الزيتون، عندما تقدم تلاميذه لكي يروه أبنية الهيكل، فقال لهم يسوع « أَمْا تنظرون جميع هذه. الحق أقول لكم إنه لا يُترَك ههنا حجر على حجر لا يُنقَض »، وأيضاً « هوذا بيتكم يُترَك لكم خراباً » (مت23: 38، 24: 1،2). ولقد تم كلام المسيح حرفياً بعد 40 سنة، عندما أتى تيطس الروماني وحاصر أورشليم، لكنه - ولسبب غير معلوم - فك الحصار قليلاً عنها. فترك كل المسيحيين أورشليم. ثم جـاء تيطس فى حصار ثان، وأوصى جنوده أن يخربوا المدينة كلها، لكن يبقوا على هيكلها الفخم كتحفة معمارية. وكان كلام تيطس لجنوده يتعارض مع كلام المسيح السابق لتلاميذه. ترى كلام مَنْ الذى يتم؟ هل كـلام نجار الناصرة المتواضع الذي تكلم من أربعين سنة، ثم ترك الأرض، أم كـلام القائـد الظافر الذى هو على رأس جنوده المدربين جيداً على احترام تعليمات قائدهم؟
تذكر سجلات التاريخ أن جندياً ركب فوق آخر وألقى بقطعة مشتعلة داخل الهيكل. وفى أثناء ذلك هبت عاصفة ساعدت على احتراق المبنى بالكامل، مما أدى إلى انصهار الذهب الذي كان يغشّى الهيكل. ويُقال إن الجنود الطامعين فى الحصول على الذهب فصلوا كل حجارة عن الأخرى، وهكذا تمت نبوة المسيح حرفيا.
5- حالة البلاد أثناء شتات الشعب : تصف النبوات حالة البلاد أثناء شتات الشعب وكيف ستكون خربة ومهجورة طوال هذه الفترة (إش6: 11، 12، مي3: 12). ويقول المسيح أيضاً إن مدينة أورشليم ستكون مدوسة من الأمم حتى تكمل أزمنة الأمم (لو21: 24).
6- حالة البلاد فى آخر الأيام : كما تصف النبوات الحالة وقت النهاية بأن البلاد تعمر (حز36: 32-35)، حتى أن يوئيل النبي يصور الأرض في الأيام الأخيرة قبيل أيام الضيقة العظيمة كجنة عدن (يؤ2: 3). وها نحن نسمع كيف امتلأت البلاد بالمدن والمستعمرات، وتضاعفت خصوبة الأرض، وكادت أن تتحول إلى جنة!!
7- رجوع الشعب وبناء الهيكل: يذكر الكتاب المقدس رجوعين لهذا الشعب: الأول فى عدم إيمان، هو ما تم حالياً، ويُعتبَر رجوعاً قومياً، ويشير إليه حزقيال 37: 7، 8 . أما رجوعهم بالتوبة إلى الرب فسيتم بعد اختطاف الكنيسة نتيجة عمل روح الله فيهم خلال فترة ضيق يعقوب ( حز37: 9، 10). ونفس الأمر بالنسبة للهيكل، فإن الكتاب المقدس يعلمناإنه سيُبنَى مرتين؛ الأولى بمجهودهم وحماية الإمبراطورية الرومانية العائدة إلى الحياة، لكنه سيتدنس بالعبادة الوثنية ويخرب. والمرة الثانية سيبنيه الرب نفسه (زك 6: 13). وهم الآن شغوفون جداً لبناء الهيكل. لعلنا كلنا سمعنا عن رغبتهم المحمومة فى إتمام ذلك الأمر.
4- النبوات الخاصة بمصر
لمصر مكان بارز فى نبوات الكتاب المقدس، لعل أشهر النبوات المتعلقة بمصر هى نبوة هوشع عن إلتجاء الرب يسوع فى طفولته إلى مصر، التى تمت بعد نحو 750 سنة (هو 11: 1، مت 2: 15).
1- أولى النبوات: أولى النبوات التى تخص مصر، هي ما قاله الله لإبراهيم عن تغرب نسله فى أرض ليست لهم، وعبوديتهم وذلهم فيها، ثم خروجهم منهـا بأملاك جزيلة بعد أن يوقع الله قضاءه عليها (تك 15: 13، 14). وقد تمت هذه النبوة بحذافيرها بعد ذلك بأربعمائة سنة فى عهد موسى، عندما صنع الرب أحكاماً بكل آلهة المصريين (خر 12: 12).
2- اضمحلال عظمة مصر: أما فى الأسفار النبوية فلنا مثلاً فى إشعياء 19 نبوة كبيرة عن مصر، وكانت مصر قد وصلت فى أيام إشعياء إلى الدرك الأسفل فى الوثنية، جنباً إلى جنب مع روح الكبرياء والاعتداد بالأسلاف القدامى « أنا ابن حكماء » (ع11)! فصدر القضاء الإلهي السريع عليها (ع1)، وهو ما تم بعد ذلك بسنوات، ابتداء من سرجون ملك أشور حوالي 700 ق م، وكان ذلك بداية لاضمحلال عظمة مصر كما ورد فى هذا الأصحاح، إذ بدأت سلسلة من الحروب الأهلية (ع2، 3)، صحبَه ركود اقتصادي (ع5-8)، وتأخرت الصناعات (ع9،10)، وتلفت المحاصيل*(ع6).
3- لا رئيس من مصر: يرى إشعياء شراً آخر فى أصحاح 30، 31 إذ كانت مصر بكل أسف، بدلاً من الله، متكلاً لشعبه! لقد ساعدتهم مرة فأنقذتهم (إر 37: 5 ـ 11) مما جعل فرعون يظن أنه قوة لا تقهر. الأمر الذي ما كان يمكن أن يمر بلا عقاب للمعين والمعان على السواء (إش31: 3 . انظر أيضاً إر42: 13 - 22). عن هذا الشر بصفة خاصة تكلم حزقيال النبي كثيراً (أصحاح17، 29، 30، 31، 32 … )، وأعطى تفصيلات تمت بكل دقة؛ فذكر خراب مصر كلها من شمالها إلى جنوبها (حز29: 10)، وتشتُت أهلها لمدة أربعين سنة (الأمر الذي تم على يد نبوخذنصر ملكبابل*)، انظر إرميا 25: 18،19. لكن النبي قال أيضاً إنهم سيرجعون من الشتات، لكنهم سيكونون أحقر الممالك، رغم أن مصر كانت فى ذلك الوقت فى قوتها، وكانت تلعب دوراً رئيسياً في شئون العالم.
ثم يواصل حزقيال الحديث فى الأصحاح التالى فيوضح « لا يكون بعد رئيس من أرض مصر » (حز30: 13)، وهو عين ما حدث ابتداءً من قمبيز مؤسس الأسرة 27 ثم الإسكندر الأكبر، فالبطالسة، ثم الرومان، ثم العرب، ثم التتار، فالمماليك، فالعثمانين، والأتراك. لقد استمر الحال على هذا المنوال لنحو 2500 سنة، حتى قامت ثورة 23 يوليو لتأخذ مصر من جديد وضعها بين الأمم، وذلك تمهيداً لأحداث هامة تحدث « في وقت النهاية » سبق الكتاب فتنبأ عنها.
4- خراب المدن المصرية: تتحدث النبوات عن خراب كثير من المدن المصرية القديمة، وتهدم هياكلها (إر43: 8 ـ 13، 46: 19، حز30: 14، يؤ3: 19) وكما قال الرب حدث تماماً. ففي عين شمس مثلاً لا يوجد سوى مسلة واحدة فقط تدل على موقع مدينة بيت شمس القديمة، مما يبرهن على أنها خربت تماماً ولم يبق سوى هذه المسلة لتقف شاهدة على صدق نبوة الكتاب. ومدينة صوعن التى كانت لفترة طويلة عاصمة مصر هى الآن قرية صغيرة تدعى "صان" في محافظة الشرقية. أما بوباستس وتدعى الآن تل بسطة في محافظة الشلاقية كذلك، فهي فعلاً تل أو أكمة عالية تشير إلى خرائب المدينة القديمة. ويوجد فى الدلتا أكمات عديدة تدل على مواقع مدن قديمة أمكن الاستدلال على بعضها، ولم يمكن الاستدلال على البعض الآخر، مما يدل على أنها خربت تماماً!!
5- بركة مصر فى النهاية: على أن النبـوة ترى كذلك أموراً مباركة عن مصر، إذ يقول إشعياء « فى ذلك اليوم يكون مذبح للرب فى وسط أرض مصر وعمود للرب عند تخمها .. ويعرف المصريون الرب فى ذلك اليوم » (إش 19: 19-21) وقد تمت هذه النبوة جزئياً أيام بطليموس فيلوميتر(181-146 ق.م)، عندما أرسل أونياس رئيس الكهنة رسالة إليه يطلب فيها بناء هيكل للرب بجوار قلعة بوباستس استناداً على هذه النبوة، فسمح لـه. على أن إتمامها سيكون عن قريب، بعد اختطاف الكنيسة « فى ذلك اليوم يكون إسرائيل ثلثاً لمصر ولأشور بركة فى الأرض، بها يبارك رب الجنود قائلاً مبارك شعبي مصر وعمل يدي أشور وميراثي إسرائيل » (إش19: 24،25).
5- الإمبراطوريات العالمية المتعاقبة
إبتداءً من حكم نبوخذنصر بدأت الفترة التى أسماها الرب يسوع « أزمنة الأمم » (لو21: 24)، وهى الفترة التى بدأت من رفض الرب لإسرائيل، وانتقال عرشه من أورشليم، وتسلم الأمم سلطة حكم العالم. وكان نبوخذنصر هذا (أنظر دا 2) مؤسـس الإمبراطورية البابلية الثانية قد رأى تمثال إنسان فى حلم. وقد فسر دانيآل هذا التمثال بأنه يمثل كل فترة أزمنة الأمم، كما أعطى فى باقي نبوته تفصيلات إضافية، حدثت بعد ذلك، ولازالت، بصورة مدهشة.
1- لقد كان رأس هذا التمثال من ذهب: وشرح دانيآل أنه يمثل الإمبراطورية الكلدانية التي أسسها نبوخذنصر نفسه، وأصبحت إمبراطورية عالمية سنة 606 ق.م. بعد أن هزمت مصر، وقد رآها دانيآل فى حلمه هو (دا7) ممثّلة بأسد (ملك الوحوش) له جناحاً النسر (ملك الطيور).
2- ثم يأتي بعد ذلك الصدر والذراعان من فضة؛ وهذه تمثل مملكة مادي وفارس الأقل فى العظمة والتي تأسست عام 530 ق.م. بعد هزيمتها للكلدانين، وقد رآها دانيآل فى حلمه هو (دا7) فى صورة دب، الذى يتميز بالشراهة. ثم رآها مرة أخرى (دا8) فى صورة كبش له قرنان عاليان؛ القرن الأول يمثل مادي، والثاني يمثل فارس. والواحد أعلى من الآخر، إشـارة إلى تسيد الفرس على الماديين، والأعلى طلع أخيراً؛ لأن الماديين كـان لهم السبق فى البداية. وكورش الفارسي، الإمبراطور الشهير أتت عنه نبوة بالاسم قبل ظهوره بنحو 200 سنة، عندما ذكر إشعياء كيفية انتصاره على ملك بابل (إش44، 45)! كما أنه فى دانيآل 11: 2 نجد وصفاً دقيقاً لفترة تسلط الفرس وحتى هزيمتهم على يد الإسكندر الأكبر عام 231 ق.م.
3- وبظهور الإسكندر الأكبر تبدأ الإمبراطورية الثالثة التى رآها نبوخذنصر فى التمثال كالبطن والفخذين من نحاس. وفى تفسير الحلم يقول دانيآل « مملكة ثالثة أخرى من نحاس تتسلط على كل الأرض ». ونلاحظ أنه لم يقل هذا التعبير بالنسبة لمملكة الفرس، لأنه لم يميز الفرس تسلطهم على كل الأرض كما حدث بعد ذلك مع اليونان. وهو عين ما حدث فى التاريخ.
وقد رأى دانيآل فى حلمه إمبراطورية اليونان هذه فى صورة نمر ـ الذي يتميز عن الوحوش بسرعة الانقضاض على الفريسة - وله على ظهره أربعة أجنحة (للتعبير عن السرعة أيضاً). وهو ما ظهر بوضوح فى الإسكندر الأكبر مؤسس تلك الإمبراطورية، إذ أنه فى أقل من تسع سنوات غزا العالم بأسره.
يذكر المؤرخ اليهودي يوسيفوس أنه في طريق الإسكندر الأكبر لأحد فتوحاته اقترب من مدينة أورشليم، فانفتحت له أبواب المدينة على مصراعيها، وسار إليه كهنة اليهود ومعهم درج سفر دانيآل. ويضيف المؤرخ أنهم أروه النبوة التي ذكرت أن واحداً من مملكة اليونان سيحطم الإمبراطورية الفارسية. فاعتبر الإسكندر أن هذه النبوة تشير إليه، ونتيجة لذلك عرض عليهم أن يطلبوا منه أي معروف يعمله معهم.
وتستمر نبوة دانيآل بالنسبة لهذه الإمبراطورية أيضاً فتصورها في صورة تيس من المعز، جاء من المغرب على وجه كل الأرض، ولم يمس الأرض (من شدة السرعة)، وله قرن معتبر بين عينيه. لكن هذا القرن انكسر سريعاً (صورة لموت الإسكندر وهو فى ريعان شبابه - 32 سنة). ثم بعد الإسكندر قامت مشاجرات كثيرة بين قواده انتهت بتقسيم المملكة إلى أربعة أقسام. وقد ذكر دانيآل هذه الأمور كلها (دا 8، 11) وقبل حدوثها بنحو 300 سنة. ثم ركز الضوء على قسمين من أقسامها الأربعة: ملك الشمال وملك الجنوب، لأن منازعاتهما الطويلة لم تنته بعد؛ فالجزء الأكبر منها تم والجزء الأهم لابد أن يتم عن قريب على نحو ما بينا أثناء حديثنا عن مصر.
4- ثم الإمبراطورية الرابعة* وهى الإمبراطورية الرومانية التى تأسست عام 68 ق.م. على أنقاض الإمبراطورية السابقة لها، والتي رآها نبوخذنصر فى صورة الساقين من حديد؛ إشارة إلى قسوتهم التى لم يشهد العالم لها مثيلاً؛ ولا عجـب - ألم يصدروا الحكم على ابن الله بالصلب، ثم اضطهدوا الكنيسة فى عصور الاستشهاد؟ « لأن الحديد يدق ويسحق كل شئ ».
5- على أن قدمي هذا التمثال وأصابعه العشرة كان بعضها من حديد والبعض من خزف. وفى تفسير دانيآل للحلم يذكر أن الإمبراطورية الرابعة نفسها، فى صورتها الأخيرة، لن تكون كصورتها الأولى، بل منقسمة إلى ممالك عشر (يربطها اتحاد كونفيدرالى). وها نحن الآن نرى الاتحاد الأوربي، والذي سينتهي به الأمر حتماً كما ذكر الكتاب إلى تحالف عشر دول مع بعضها، ومنها سيظهر الوحش الروماني!
حقا إن ما كتبه المؤرخون العظام عن تاريخ تلك الإمبراطوريات، والذي يتكون من آلاف الصفحات لا يخرج عن كونه تفسيراً لهذا الحلم الوجيز الذي رآه نبوخذنصر، والرؤى التي رآها دانيآل والمسجلة في نبوته العظيمة أصحاحات 2، 7، 8، 11.
6- زوال بعض المدن
نكتفي بالإشارة إلى نبوتين عن مدينتين:
النبوة الأولى عن بابل: وردت في نبوة إشعياء، مع أن بابل لم تكن في أيام إشعياء قد بلغت مجدها، ومع ذلك ترد هذه النبوة العجيبة في أصحاح 13 « تصير بابل بهاء الممالك وزينة فخر الكلدانيين كتقليب الله سدوم وعمورة ».
وهناك بلاد كثيرة أُخربت ثم أعيد بناؤها، لكن بابل حتى يومنا هذا ومن آلاف السنين لم تُبنَ. ذلك لأن الله قال عن خرابها « لا تعمر إلى الأبد ولا تُسكن إلى دور فدور ». واليوم يعمل بين أطلالها الأعراب كمرشدين للسياح الذين يزورون آثارها، لكنهم يرفضون رفضاً باتا أن يبيتوا فيها، بسب اعتقاد راسخ ومتوارث أنها مسكونة بالأرواح الشريرة. وعن هذا الأمر أيضاً جاءت الإشارة « لا يخيم هناك أعرابي ولا يربض هناك رعاة، بل تربض هناك وحوش القفر ويملأ البوم بيوتهم وتسكن هناك بنات النعام وترقص هناك معز الوحش » (إش 13).
صوُر: وعن صور أيضاً، وكانت وقت النبوة عنها من أقدم الممالك وأكثرها غنىٍ، جاءت نبوة عجيبة فى سفر حزقيال بأنها ستُهدم وتخرب وأنها ستسوى بالأرض، إذ سيرمى أطلال مبانيها فى البحر « يضعون حجارتك وخشبك وترابك فى وسط المياه .. وأصيرك كضح الصخر فتكونين مبسطاً للشباك لا تبنين بعد، لأني أنا الرب تكلمت يقول السيد الرب » (حز 26).
ورغم أن موقع المدينة ممتاز ويصلح لإقامة مدينة عظيمة عليه، لأن المياه العذبة والـوفيرة، والتي تقدر بنحو 10 مليون جالون يومياً، تُرمى في البحر، إلا أنه - وتتميماً لقول الكتاب المقدس - لم تُبنَ حتى اليوم، ولن تُبنَى. ولا يرى الزائر لموقعها إلا الصيادين وهم باسطون شباكهم للصيد!
ولقد أوضح عالم الرياضيات الأمريكي الدكتور بيتر ستونر، أن احتمال إتمام النبوة الخاصة بخراب صور على نحو ما ورد فى حزقيال 26 لو تُرِك للصدفة هو بنسبة 1 : 75 مليون. ومع ذلك فقد تمت النبوة بحذافيرها!!
7- طابع الأيام الأخيرة
تحدثنا الأجزاء النبوية فى العهد الجديد، بوضوح عن وصف الأيام الأخيرة ويمكن تقسيمه كالآتي:
أولاً : فى دائرة الاعتراف المسيحي
الناس يقسّون قلوبهم ويرتدون عن الإيمان؛ فيرِد في 2تيموثاوس 3 وصف للحالة الأدبية هكذا: « محبين لأنفسهم محبين للمال … محبين للذات » وأيضاً « مستكبرين.. غير طائعين لوالديهم غير شاكرين دنسين.. الخ ». أَيمكن إجمال وصف الناس لاسيما فى البلاد التى أشرق عليها نور المسيحية بكلمات أدق من هذه؟!
ثم في 2بطرس2، 3 نجد وصفاً للمعلمين الكذبة، وللكافرين المستهزئين. أَوَلا يملأ هذان الفريقان العالم المسيحي طولاً وعرضاً كما قال بطرس.
وأخيراً نجد في رؤيا 3 وصفاً للحالة الكنسية العامة (في دور كنيسة اللاودكيين) حيث يرد القول « هكذا لأنك فاتر. . . أنا مزمع أن أتقيأك من فمي ». فالفتور والادعاء الكاذب، وهما السمتان البارزتان للحالة الروحية فى الكنيسة اليوم، سبق الله وذكرهما فى الكتاب المقدس من ألفى سنة.
ثانياً : الحالة الاجتماعية للناس بصفة عامة
الحروب والإرهاب، والسلام يكاد ينعدم؛ فيرِد في لوقا 21 ما يعتبر وصفاً دقيقاً لهذه الحالة: « على الأرض كرب أمم بحيرة ». فها علامات الاستفهام غائرة على الوجوه، والأمراض العصبية والنفسية والقلق أصبحت من سمات العصر. « البحر والأمواج (صورة لجماهير الناس - رؤ17: 15) تضج، والناس يغشى عليها من خوف وانتظار ما يأتي على المسكونة » (ع25،26)، ومن فينا لا يحس بحيرة رجل الشارع العادي، وحيرة رجال الحكم أنفسهم بسبب الإرهاب والجماعات المتطرفة والاضرابات. « لأن قوات السموات تتزعزع » الأمر الذى نراه فى افتقار رجال الحكم للمهابة والاحترام اللذين كانا لهم سابقاً. فأولئك الذين رتبتهم السماء كحكام للحفاظ على الأمن، لم يعودوا هم أنفسهم فى أمان. ولم يشهد أي زمان آخر حوادث عن اغتيالات وانقلابات كما يشهد هذا الزمان الذى نعيش فيه!!
* * * *
بعد هذا العرض السريع لبعض النبوات التى تمت فى دقة عجيبة، هل لازلت فى شك عن أمر هذه الكلمة أو مصدرها؟! « إن قلت فى قلبك كيف نعرف الكلام الذى لم يتكلم به الرب ؟ فما تكلم به النبى باسم الرب ولم يحدث ولم يصر فهو الكلام الذى لم يتكلم به الرب » (تث 18: 21،22).
أرأيت إذاً لماذا يحارب الشيطان هذا الكتاب بكل قوة؟ لأنه الكتاب الوحيد الذي يخبرنا عن نهاية الشيطان ومصيره، الذي هو نفس مصيرك بالأسف إن كنت مصمماً على احتقار كلمة الله.
« فالذي خاف كلمة الرب .. هرب بعبيده ومواشيه إلى البيوت. وأما الذى لم يوجه قلبه إلى كلمة الرب فترك عبيده ومواشيه فى الحقل» (خر9: 20، 21).
يا أخي لا تُعطِ أذناً لحيل الشيطان. اقرأ كلمة الله. وتمسك بثبات بالكتاب المقدس كمعتمدك الكلى.
وسفرُ السما دائمٌ لم يزلْ
وصاحبه من قديمِ الأزلْ
وحدَّد فيه ختامَ الأجَلْ
ومن قد تكبَّر ضاعَ وذَلْ
فكيفَ الهلاكُ به قد وَصَلْ
وبالفعلِ قولُ الكتابِ حَصَلْ
عصا موسى قد بَلعتْ كلَ صِلْ
تحقَّق فيه زوالُ الدولْ
وسلطان ربِّ السماءِ كَملْ
يداً تكتبُ فاعتراه الخبلْ
بآلافِ جيشِه، كيف فَشَلْ
وأفنى الجيوشَ، مضى بالخجلْ
ولكنَّ عند النهارِ تُشَّلْ
وقافلةُ اللهِ سوف تظلْ
لأنها تخشى الضيا المشتعلْ
فإن الثعالبَ خلفَ الجبلْ
فأمسكْ بذا النورِ حتى تَصلْ
نرى في الكتابِ بلوغَ الأجلْ
ومهما تسطَّر فيه عُمِلْ
وتخضرُّ أوراقُها وتُطِلْ
نراها. فهل بعد ذا من مثلْ؟
ويبقى العُواءُ فلا تنذهِلْ
وفيه الغذاءُ وفيه الأملْ!
تزولُ الجبالُ وتفنى الدُّوَلْ
وكيف يزول وربُ السماءِ
وسجَّلَ فيه قيامَ الشعوبِ
وأعلن فيه مصيرَ الملوكِ
تحداه فرعونُ مصرَ قديماً
طَوتْهُ المياهُ ومعه الجيوشُ
وكم حاولتْ هدمَه من أفاعي
سلوا دانيآلَ يفسِّرُ حلماً
وقومةَ مُلْكِ السماءِ العظيمِ
سلوا بيلشاصر حين رآها
سلوا سنحاريبَ تحدى الإلهَ
ملاكٌ وحيدٌ من اللهِ جاءَ
فتلك الخفافيشُ بالليلِ تسعى
وتلك الكلابُ ستنبحُ دوماً
وتلك الثعالبُ لابد تعوي
فلا تدهشنَّ لهذا العواءِ
وإنه برهانُ نور السماءِ
ونحن بهذا الزمانِ الأخيرِ
نرى حولنا ما حواهُ الكتابُ
تنبأَ عن دوحةِ التينِ تزهوُ
وها نحن في ذا الزمانِ الأخيرِ
سبيقى الكتابُ على العرشِ نوراً
تصفّحْه دوماً ففيه الضياءُ
زكريا عوض الله
يا أخي لا تُعطِ أذناً لحيل الشيطان. اقرأ كلمة الله. وتمسك بثبات بالكتاب المقدس كمعتمدك الكلى.
* * * *
*يترجم البعض إشعياء 19: 7 هكذا «البردي على السواقي ... تتلف وتتبدد ولا تكون» وهذا ما تم فعلاً فاضمحلت زراعة البردي التي اشتهرت بها مصر في الماضي
*قال الكاتب العربي عبد اللطيف البغدادي (الشهير بابن اللباد) من القرن الثاني عشر «كانت ممفيس مدينة زاهرة أيام إبراهيم ويوسف وموسى، ولوقت طويل أيضاً قبل وبعد هذه الفترة، حتى حكم نبوخذنصر ... إذ ظلت مصر فى حالة خراب أربعين سنة .. والسبب إن ملك مصر ضمن ملجأ لليهود الذين هربوا من وجه نبوخذنصر»117.
لاحظ أن دانيآل حدد عدد الإمبراطوريات العالمية بأربعة فقط. وكم هو مثير أن تعرف أن كل محاولة عملت لإقامة إمبراطورية خامسة قد انتهت بالفشل. فنحو عام 800م. حاول شارلمان إنشاء إمبراطـورية أوربية لم يكتب لها النجاح. ثم حاول نابليون أن يبني إمبراطورية يكتب لها البقاء لفترة أطول، لكنه فشل ومات منفياً في جزيرة سانت هيلانة. وأخيراً جاء هتلر وأسس الرايخ الثالث وحاول إبتلاع كل أوربا، وقد وصل به الغرور أن قال في إحدى خطبه إن إمبراطوريته ستستمر ألف سنة121. لكن الله كان قد قال شيئاً آخر؛ فلقد قال إن مملكة المسيح هي التي ستستمر ألف سنة (رؤ20)، وانتهي هتلر إلي مصير غامض. وكما فشلت كل محاولات إنشاء إمبراطورية خامسة، هكذا فشلت أيضاً محـاولات إحياء إمبراطورية الفرس التي حاول القيام بها شاه إيران المخلوع. ونحن نؤمن أن العالم اليـوم علي وشك مشاهدة لا ميلاد إمبراطورية جديدة، بل إحياء للإمبراطورية الرومانية تحت زعامة روما كما يخبرنا الكتاب المقدس في سفري دانيآل والرؤيا

التاريخ يشهد له للاخ يوسف رياض

حتى أوائـل القرن الماضي كان الاعتقاد السائد بين معظم الفلاسفة الملحدين أن ما ورد في الكتاب المقدس، لا سيما في العهد القديم، لا يزيد عن كونه قصصاً وهمية لفّقها كتبة الأسفار بغرض تقديم المبادئ الأدبية والروحية بصورة سهلة إلى البشر. لكن منذ ذلك التاريخ، نظراً لتقدم علم الآثار (الأركيولوجى)، ظهرت اكتشافات عديدة جاءت كلها مؤيدة لما أورده الكتاب المقدس من أخبار.
وقبـل أن نستعرض جانباً من هذه الاكتشافات، نريد أن نشير إلى أمرين هامين فى الكتاب المقدس نفسه يؤكدان صحة تواريخ الكتاب، وينفيان شبهة التزوير والتلفيق عنه.
أولاً: توافق السرد التاريخي للكتاب بعضه مع بعض، وعدم تعارض أحداثه الواحد مع الآخر في أدق التفصيلات، حتى تلك الإشارات العابرة التي جاءت عرَضاً في أسفار متباعدة لكتاب مختلفين.
وثانياً: توافق السرد الكتابي مع التاريخ الوضعي.
أولا: توافق السرد التاريخي للكتاب
كأمثلة لهذا التوافق نذكر:
1- يخبرنا سفر الخروج 6: 20 أن عمرام أبا موسي تزوج بعمته يوكابد، (أنظر أيضاً خر2: 1، 6: 16، 18). وهذا الوضع غير المألوف يفسره إشارة عابرة وردت فى سفر آخر وهو أن يوكابد هذه وُلِدت للاوى* في مصر (عد26: 59)، أي بعد ميلاد أخيها قهات بفترة كبيرة. والأرجح أن أخاها تزوج وأنجب بكره عمرام قبل أن تُولد يوكابد، لأنه من إشارة ثالثة وردت في تكوين 38 نفهم أن أولاد يهوذا، أخي لاوي الأصغر منه، كانوا قد تزوجوا وهم في أرض كنعان قبل نزولهم إلي مصر.
2- يخبرنا الوحي في يشوع3: 15 أن موعد عبور الشعب لنهر الأردن حدث فى وقت الحصاد. لكن فى أي فترة من الحصاد؟ نفهم من يشوع 5: 10 أنهم فـور عبورهم الأردن عملوا الفصح في الرابع عشر من الشهر (الأول)، وبعده مباشرة يأتي الحصاد الأول (حصاد الشعير). أما الحنطة فتُحصد بعد ذلك بفترة . ثم من خروج9: 31 نفهم من سياق الكلام أن حصاد الكتان يكون في نفس وقت حصاد الشعير. فإذا رجعنا إلى يشوع2: 6 نجد هناك إشارة عابرة لها قيمتها فيما نحن بصدده إذ يذكر أن راحاب الزانية أخفت الجاسوسين في بيتها، قبيل عبور الشعب للأردن مباشـرة، « ووارتهما بين عيدان كتان لها منضّدة علي السطح » (أي مقطوعة حديثاً ومبسوطة بغرض تجفيفها). فهل هذا الاتفاق بين هذه الأسفار المتعددة، يتفق والقول بأنها ملفقة؟!
3- عندما أرسل موسى الجواسيس الاثنى عشر لتجسس الأرض رأوا هناك الجبابرة بنى عناق. ومن سفر ثانٍ نفهم أن يشوع لما تولى القيادة خلفاً لموسى، فإنه قرض تماماً سكان الأرض، ويضيف قائلاً « فلم يتبق عناقيون فى أرض بنى إسرائيل، لكن بقوا (فقط) فى غزة وجت وأشدود» (يش11: 21،22). ومن مدينة جت التى بقى فيها الجبابرة، خرج بعد نحو 400 سنة ذلك العملاق الجبار "جليات" الذى كان طوله ستة أذرع وشبر، وذلك حسبما نقرأ فى سفر ثالث (1صم17: 4).
4- لما أراد داود أن يجعل والديه فى مأمن من مضايقات شاول الملك لهما، يَرِد فى إشارة عابرة القول « ذهب داود من هناك إلى مصفاة موآب. وقال لملك موآب ليخرج أبي وأمي إليكم حتى أعلم ماذا يصنع لي الله » (1صم22: 3). فلماذا اختار موآب بالذات؟ الإجابة نفهمها من سفر راعوث. فجدة يسى أبى داود هي راعوث الموآبية، فلصِلة قرابة الدم « ودعهما عند ملك موآب » (انظر را4: 17)
ثانيا: توافق السرد الكتابي مع التاريخ.
1- إن ما ذكره الكتاب المقدس في تكوين1، 2، ولخصة الله بالقول « فى ستة أيام صنع الرب السماء والأرض والبحر وكل ما فيها واستراح في اليوم السابع » (خر20: 11) يؤيده أن كل شعوب العالم درجت منذ القديم علي اعتبار الأسبوع سبعة أيام، منها يوم راحة! ونحن نعرف أن اليوم محدد نظراً لدوران الأرض حول محورها أمام الشمس، وأن الشهر تحدد نظراً لدوران القمر حول الأرض، وأن السنة تحددت نظراً لدوران الأرض حول الشمس، لكن لماذا تحدد الأسبوع؟ وعلى أي أساس؟ لا نجد إجابة شافية عن اتفـاق كل شعوب الأرض، حتى البدائية منها على هذا الأمر إلا ما ورد فى تكوين 1،2.
2- من النافذة الضيقة المفتوحة في الكتاب علي عالم ما قبل الطوفان، نستدل على أنه كانت قد مرت بالبشرية إذ ذاك ثلاثة عصور: الأول هو العصر الحجري. ثم ابتداء من توبال قايين نقرأ عن اختراع كل آلة من نحاس وحديد (تك4: 22)، مشيراً إلى العصر النحاسي والحديدي. ولاحظ أنه يذكر النحاس أولاً، وهو عين ما يقوله علم التاريخ.
ولأن توبال قايين، وهو سليل قايين يعادل في الترتيب متوشالح حفيد شيث، فإننـا نستنتج أنه كان معاصراً له. وإذ نعرف أن متوشالح ولد سنة 687 من خلق آدم، ومات سنة 1656، فإنه يمكن استنتاج تقسيم معقول لهذه العصور: فالعصر الحجري استمر نحو ثمنمائة سنة، وتلاه العصر النحاسي (أو البرونزي) واستمر نحو خمسمائة سنة ثم الحديدي ثلثمائة سنة.
ويحرص الوحي على أن يسجل أن العصر الحديدي بدأ قبل الطوفان، فما كان ممكناً بناء الفلك قبل بداية العصر الحديدي.
3- شئ آخر يستوقفنا في قول يوسف لإخوته « لأن كل راعي غنم رجس للمصريين » (تك46: 34)؛ لماذا ذلك؟ الأرجـح لأنه كان هناك ملوك رعاة حكموا مصر. ولأنهم كانوا مغتصبين السلطة فإنهم كانوا مكروهين لدى المصريين.
ويعتقد الكثيرون أن الهكسوس هم الذين كانوا يحكمون البلاد وقت نزول إبراهيم إليها، وأنهم كانوا عرباً، أي ساميين. وهذا هو سر كرمهم مع إبراهيم.
لكن كيف يمكن أن يقوم بعد موت يوسف بفترة وجيزة « ملك جديد علي مصر لم يكن يعرف يوسف » (خر1: 8)؛ يوسف الذي أنقذ مصر والعالم من كارثة محققة، والذي ظل لعشرات السنين ثانياً لفرعون؟! الإجابة هي أن ملك سفر الخروج هذا هو بلا شك أول ملوك أسرة جديدة من الأسر التي تعاقبت حكم مصر، فأراد هذا أن يقلل من شأن من تعاونوا مع النظام السابق، أو لعله خلط بين أولئك الرعاة العبرانيين، والملوك الرعاة.
4- وبصدد الحديث عن مصر وتاريخها تُقابلنا عقبة تعترض توافق السرد الكتابي والتاريخ. فمن الكتاب المقدس نعرف أن خلق آدم كان من نحو ستة آلاف سنة، مع أننا نسمع أحياناً أن مصر ذات حضارة عمرها 7آلاف سنة!!
وردّنا على ذلك هو أن المؤرخين الذين كتبوا عن تاريخ مصر لم ينتهوا إلى نتيجة محددة في مسألة هذه التواريخ. والاختلافات بينهم ليست ضئيلة بل إنها تصل إلي قرون. ونسجل هنا شهادة أحد الثقات في هذا المجال وهو المكتشف الفرنسي الشهير شمبليون إذ قال عن أعماله في مقابل الذين يهاجمون الكتاب المقدس « إنهم سيجدون في هذا العمل الرد المطلق علي افتراءاتهم إذ قد برهنت أنه لا يوجد في الواقع أي أثر مصري أقدم من عام 2200 ق.م. ومـع أن هذه بلا شـك تعتبر آثاراً عظيمة لكنها فى نفس الوقت لا تتعارض فى شئ مع التاريخ المقدس بل إني أتجاسر وأقول أنها تؤيده في كل النقاط».
وبهذه المناسبة نذكر حادثة طريفة عن السير وليم رمساى، أستاذ العلوم الإنسانية بجامعة إبرديـن بسكوتلاندا، وقد كان في زمانه أشهر حجة في علم التاريخ والجغرافيا لأسيا الصغرى (تركيا حالياً). وفي غيرته لدراسة كل المصادر المتاحة والوثائق القديمة عن تاريخ تلك البقعة فإنه درس سفر الأعمال وكذلك إنجيل لوقا. وفي البداية درس رمساى هذين السفرين بكثير من التشكك والتحفظ، لكنه بعد سنوات من الدراسة المكثفة، فإن ذلك الذي بدأ متشككاً، أصبح واحداً من أشهر المدافعين عن كتابات لوقا، حتى في أدق وأصغر التفصيلات. هذه التفصيلات البسيطة ، أسرت في البداية ذهنه، ثم ملكت قلبه، وكتب رمساى فيما بعد العديد من الكتب، أحد أشهر هذه الكتب بعنوان "الاكتشافات الحديثة تؤكد صحة ودقة أسفار العهد الجديد" ومما قاله : "إني أعتقد أن التاريخ الذي يقدمه لوقا لا يوجد أجـدر منه بالثقة. وإذا قارنت ما كتبه لوقا، بما كتبه باقي المؤرخين، فإنها هي ستكون بلا شك الأشد تدقيقاً والأكمل شرحاً".
نأتي الآن إلى ما يقدمه علم الآثار (الأركيولوجى) من براهين إيجابية تؤكد صحة ودقة الكتاب المقدس. ودون أن يراودنا الفكر لحظة واحدة أن الكتاب المقدس يحتاج إلى إثبـات من الحجارة الميتة، فإنه بلا شك أمر مثير أن نرى كيف تحمل الآثار الأقدم فى العالم الشهادة لصحة الكتاب الأقدم فى العالم، نعم وتتفق مع الكتاب المقدس فى أدق التفصيلات. وسنقصر الحديث في هذا الموضوع الشيق الواسع على النقاط الأربع الآتية:
أولا: صحة الأماكن المذكورة فى الكتاب المقدس
1- موقع الجنة (تك2)
« وغرس الرب الإله جنة فى عدن شرقاً »
تشير الوثائق الأثرية إلى أن سهول العراق الواقعة جنوب غرب بابل القديمة كانت تُدعي عدن. ونلاحظ أن التوراة تسجل لنا أسماء الرؤوس الأربعة للنهر الذى كان يخرج من عدن ليسقى الجنة. النهر الثالث هو حداقل ويسمى اليوم دجلة. والرابع هو الفرات. أما الأول والثاني فهما فيشون وجيحون. ولقد اكتشف عالم الآثار الألماني "دلتش" قائمة في بابل بأسماء الأنهار الرئيسية التي كانت موجودة قديماً، ومن بينها نهر باسم فيشانو وآخر باسم جيحانو
2- المدن الأولى التى بنيت بعد الطوفان (تك10)
يسجل الكتاب المقدس أن نمرود - مؤسس المملكة البابلية - قد بنى ثماني مدن. وقد تم بالفعل اكتشاف أطلال* سبع مدن. ولم يبق سوى مدينة واحدة لم يستـدل علي موقعها حتى الآن، هي مدينة أكد. وفي وسط أطلال مدينة كالح وهى واحدة من السبع المدن المكتشفة، وتبعد 30 كم جنوب شرق نينوى بالقرب من نهر دجلة، اكتشـف "سير أوستن لآيار"الإنجليزي عام 1845 تمثالاً لثور مجنح باسم "الصياد الجبار" الذي يُرجَح جداً أنه هو نمرود نفسه مؤسس هذه المدينة والذي عنه يرد قول الكتاب المقدس « كنمرود جبار صيد أمام (أى ضد) الرب ».
3- مدينة حاران (تك: 31، 32، أع7: 2-4)
وهي المدينـة التى إليها نزح ناحور أبو إبراهيم وعائلته، وفيها ظلت بقية العائلة بعد ترك إبراهيم لها إلى أرض الموعد (تك24: 4، 38، 28: 2، 10، 29: 4، 5)، الأمر الذي يُستدَل منه أنها كانت وقتها مدينة كبيرة. مع أنها اليوم مجرد قرية صغيرة تبعد نحو 450 كم شمال شرق دمشق. علي أن المخطوطات القديمة أثبتت فعلاً أنها كانت فى غابر زمانها مركزاً تجارياً هاما بحكم موقعها، وأنها كانت محطة للقوافل المارة على الطريق من بابل إلى آسيا الصغرى.
4- مدينة أريحا (يش 6)
عندما نقرأ ما ورد عن مدينة أريحا وملكها في يشوع 6 قد نتخيل أنه كان يحكم على مملكـة كبيرة مترامية الإطراف. فكيف أمكن لرجال إسرائيل أن يطوفوا حول المدينة سبع مرات في يوم واحد؟
إلى أن جاءت الاكتشافات الحديثة فاكتشف موقع أريحا القديم، واتضح أن مساحتها حوالي 7 هكتار، وأن محيطها كـان حوالي 600 متر فقط. فكم يكون من السهـل أن تطوف حوله 7 مرات في اليوم (أي حوالي 4,2 كم). واتضح مرة أخرى أن الكتاب المقدس معه الحق.
5- مدينة حاصور (يش10)
يذكر الكتاب أنها كانت رأس الممالك التي امتلكها يشوع بن نون (أي أقوى تلك الممالك). ولما نقب الباحثون في مكانها ظهرت أطلال المدينة عبارة عن كومتين هائلتين من التراب. الكبيرة تمثل خرائب المدينة والصغيرة للقلعة المجاورة لها، وتحيط بها جدران بسمك 80 متراً. وقدّر البعض أن هذه القلعة كانت تسع نحو 30 ألف مقاتل!!
6- مدينة نينوى عاصمة أشور
توصـف مدينة نينوى في الكتاب المقدس في سفر يونان أربع مرات بأنها مدينة عظيمة مسيرة ثلاثة أيام. ولقد تهكم فولتير على هذا الوصف في زمانه. إلا أن الاكتشـافات التي تمت بعد عام 1842 أكدت أنها مدينة عظيمة تضم عدة مدن أصغر ضمن نينوى الكبرى. وأكدت أن وصف الكتاب هو وصف دقيق.
ثانيا: صحة الحوادث المذكورة فى الكتاب المقدس
1- حادثة السقوط (تك3)
اكتُشف ختم دائري في بابل بطول 28مم يرجع تاريخه إلي نحو 2500 ق.م منقوش عليه شجرة مقدسة في الوسط وعن اليمين يجلس رجل وعن اليسار تجلس امرأة. وخلف المرأة حية كأنها تتحدث مع المرأة!!
إن الشيطـان عن طريق الحية نجح قديماً في إفساد الإنسان، لذا نجد للحية أيضاُ مكاناً بارزاً في العبادة الوثنية، بل وفي عبادة الشيطان التي انتشرت في كثير من بلاد العالم اليوم. ويوجد رسم مصري قديم على أحد الآثار وفيه نرى الخمر مقدمة للحية كأنها إلهة، ونفس الأمر نجده بصورة أو بأخرى في كل العبادات الوثنية تقريباً فى جميع أنحاء العالم.
2- الطوفان (تك6-8)
في كل ديانات العالم، ولدى كل شعوب الأرض وأجناسها المختلفة والمتباعدة لابد وأن تجد قصة أو أسطورة ما، تتحدث عن كارثة عالمية أودت بحياة الكائنات. بل إنها تتفق أيضاً في أن غضب الآلهة العظيم نتيجة شر الإنسان كان وراء هذه الكارثة. هنـاك ما لا يقل عن 33 وثيقة أثرية لشعوب مختلفة تتحدث عن الطوفان. هذا الإجماع، الذى لا نجد له نظيراً بالنسبة لأي حادث آخر، لا يمكن أن يحدث من مجرد الصدفة وحدها، بل لابد أن تكون وراء هذه القصص ذكرى لحادثة خطيرة حدثت قبل أن تتفرق الأمم والأجناس في كل العالم، تركت آثارها الواضحـة على كل الجنس البشرى. أو بالحري لابد أن يكون الطوفان أمراً مؤكـداً، وأن الذين ينكـرونه اليوم إنما يخفى عليهم بإرادتهم، كقول الرسول بطرس (2بط3: 5).
يوجد اليوم بالقـرب من "أور" بالعراق حفرة اكتشفها «سير ليونارد ويلي» عام 1927، بها طبقات صلصال طينية صلبة بارتفاع نحو 3 أمتار وأسفلها وجدت آثار لاستيطان آدمي، الأمر الذي لا يمكن أن ينتج إلا عن كارثة طوفانية رهيبة*
3- برج بابل وبلبلة الألسنة (تك11)
في منطقة أور، وخـلال عمليات التنقيب بها، أُكتشف عام 1924 بناء ضخم له ثلاثة مصاعد إلى أعـلا يرجح الخبراء أنه هو نفسه برج بابل الذي قصد الناس به الوصول إلي السماء - لا إلى سماء الله، لأنهم كانوا قد أبعدوا الله عن فكرهم، ولأن الله قال لما رأى مشروعهم « لا يمتنع عليهم كل ما ينوون أن يعملوه » فأغلب الظن أنهم أرادوا الوصول إلى طبقات الجو العليا ليسهل عليهم دراسة النجوم فى السماء لكي يعبدوها ولكي يسألوها (قارن إش47: 13، إر8: 2). وبكل أسف لازالت هذه البـذرة، المكروهة عند الله، موجودة حتى يومنا هذا. وعلى صفحات الجرائد في معظم أنحاء العالم تجد باب "اسأل النجوم"!! وكلمـة برج التي ترد فى هذا الباب هي نفس الكلمة التي قيلت عن "برج" بابل، مما يؤيد صحة الحادث كما رواه الكتاب المقدس.
أما عن أمر بلبلـة الألسنة وتعدد اللغات التى ارتبطت بمحاولة الإنسان بناء هذا البرج، فإننا نـورد هنا شهادة العلامة "ماكس مولر" الذي قال "كلما حللنا اللغات تظهر، رغماً عن اختلافاتها، أنها محتوية علي أصول قليلة جداً، وأنها جميعا ترجع إلي أصـل واحد". كما قال أحد الفلاسفة اللغويين في هذا الموضـوع "إن اللغـات وإن اختلفت الواحدة عن الأخرى فهي في مجموعها أجزاء لأصل واحد كما لو كانت قد حدثت زلزلة هائلة فى أحد الأجيال فتتت الصخر القوى ومزقته إلى أجزاء لا عدد لها"!!
4- هزيمة رحبعام ملك يهوذا (1مل14: 25،2أخ12: 2-9)
على جدران معبد الكرنك بالأقصر سجل "شيشنق" فرعون مصر (أول ملوك الأسرة الثانية والعشرين) وصفاً لانتصاره الساحق على رحبعام ملك يهوذا. هذا ما استطاع شمبليون أن يقرأه، ثم تأكد بواسطة كثيرين من بعده.
إنه بلا شك أمر مؤسف أن يقيم العالم نصباً يسجل عليه انتصاره على شعب الله. لكننا في الوقت ذاته نتعزى عندما نتذكر أن هذا النصب يحمل الدليل على قداسة الله الذى استخـدم مصر كعصا لتأديب شعبه «لأنهم خانوا الرب»، بالإضافة إلى الدليل على صدق كلمة الله.
5- مرض نبوخذنصر (دا 4)
لا نجد وسط آثار بابل ومخطوطاتها ذِكراً لمرض نبوخذنصر المذل، والذي استمر سبع سنوات عقاباً له من الله علي كبريائه، وطبعاً ليس متوقعاً أن نجد أثراً لذلك. إلا أن الآثار تسجل أن نبوخذنصر بقي مدة غير قادر علي ممارسة مهام المملكة. كما أنه قد تلاحظ من قراءة الآثار أنه لمدة معينة توقفت جميع أعماله العظيمة علي غير العادة!!
ثالثا: صحة العوائد المذكورة فى الكتاب المقدس:
إن الاكتشافات التى ترجع إلى زمان إبراهيم أكدت أن السرد المذكور فى أسفار موسى ليست من تأليف كهنة مؤرخين عاشوا بعد زمان إبراهيم بقرون عديدة (كم ادعى أصحاب النقد الأعلى)، بـل إنها فى تمام التوافق مع الأحوال التى كانت سائدة فى زمان ما قبل موسى. ففي مدينة "نزى" جنوب شرق نينوى، أوضحت الآثار هناك أن العادة قد جرت وقتئذ أن يتبنى الزوجان العاقران من يسهـر عليهما طيلة حياتهما علي أن يأخذ أملاكهما بعد موتهما. كما جاء أيضاً في آثارها أن الزوجة لها الحق فى أن تقدم أَمَتها لزوجها لتنجب منها أولاداً. وهذا يتمشى مع ما جاء فى تكوين 15: 2، 16: 2، 30: 3.
أما الآثار المصرية فقد دلت، كما قال العلامة روسلينى، على أن المصريين كانوا يتناولون الطعام جالسين بخلاف الشعوب الأخرى الذين كانوا يأكلون وهم متكئين علي الأرض (تك43: 33). كما ذكر المؤرخ يميليكوس أن التفاؤل بالطاس وكذا استخداماته الدينية أو استشاراته (كما يحدث الآن فيما يسمونه قراءة الفنجان)، كان من خرافات المصريين القدماء (تك44: 2، 5، 15، 16). ويوجد في المتحف البريطاني اليوم طاس مليئة بالنقوش أحضرت من أشور المرجح أنها مصرية الأصل حيث يوجد عليها رسم لأبى الهول وللتاج المزدوج وللشمس المجنحة وللجعران المقدس.
ومن العادات التي ذكـرها الكتاب عن المصريين ولازالت حتى الوقت الحاضر مترسبة في أعماق نفسية المصريين: الحزن الثقيل علي الموتى (تك50: 11)، وعادة الأربعين، المرتبطة بفن التحنيط المصري (تك50: 3)، وأيضـاً عدم احتلاق أهـل الميت ولعل هذا هو سبب عدم كلام يوسف المباشر مع فرعون بخصوص سفره لدفن والده، حيث لم يكن من بروتوكولات القصر الظهور أمام فرعون دون حلق (تك50: 4،5،41: 14).
رابعا: صحة الشخصيات المذكورة في الكتاب المقدس:
1- سرجون الثاني (إش20: 1)
هذه الشخصيـة لم يُشِر التاريخ إليها علي الإطلاق. الأمر الذى أتخذه الكافرون حجة ضد الكتاب المقدس. حتى جاء عام 1842 عندما اكتشف "بول بوطا" الفرنسي بقايـا قصره المقام على مساحة 25 فدان، واستطاع أن يحل رموز الكتابة المسمارية المخروطية، فتبين انه حكم أشور من عام 722- 705 ق.م. ومن وقتها تحول هذا الطعن فى الكتاب المقدس إلى حجة قوية تؤكد صدق تواريخه.
ونفس الشيء يقال عن ترتان المذكور أيضاً في نفس الفصل (إش20). فلم يكن أحد يعـرف من هو ترتان هذا، إلا أن الاكتشافات أوضحت أن ترتان ليس اسم علم، بل لقب لقائد الجيش الأشوري.
2- بيلشاصر الملك (دا 5)
إن آخر ملوك بابل كما يذكر التاريخ هو شخص يدعى نبونيدس. ويقال إنه عندما هاجـم الفرس مدينة بابل كان ملكها هذا غائباً عنها فى بورسبا. وأن كورش الفارسي تبعه إلى هناك وأسره دون أن يقتله!!
كل هذا يبدو متعارضاً مع ما ذكره الكتاب المقدس في سفر دانيآل. علي أن السير هنري رولنص اكتشف سنة 1854 من كتابات وجدت في أم قير ببابل أن نبونيدس فى آخر حياته أشرك معه في الملك ابنه "بلشرأزر" وأعطاه لقب ملك. ومن إشـارة عابرة ذكرها الكتاب المقدس يتضح لنا صدق هذا الأمر؛ فإن "بيلشاصر" هذا - كما يسميه الكتاب المقدس - وعد من يفسر القراءة التي ظهرت علي حائـط قصره، بأن يسلطه ثالثاً علي المملكة، وليس ثانياً كما هو المتبع في مثل هذه الظروف (قارن تك41: 40-45، أس10: 3، دا2: 48، 49). وليس من تفسير لهذا سوى أن بيلشاصر هذا نفسه لم يكن الأول فى مملكة بابل، بل الثاني، فلم يستطع سوى أن يعد دانيآل بالمركز الثالث. وظهر كالعادة أن الكتاب المقدس، لأنه هو الحق، فإن معه الحق دائماً.
وماذا أيضاً فى هذا الموضوع الذى من جهته الكـلام كثير عندنا، ولو أن ما قيل فيه يكفي للذي تكفيه الإشارة. لأننا لا نود أن نكون كأصحاب النقد الأعلى الذين يميلون بالأسف إلى أن يصدقوا أساطير البشر المسطرة علي الآثار أكثر من تصديقهـم لله في كلمته الصادقة!! نعم فنحن لا نصدق كلمة الله الحية لأن الحجارة الميتة قد أيّدتها، بلإننافقط نقول مع سيدنا
« أقول لكم إنه إن سكت هؤلاء فالحجارة تصرخ »! (لو19: 40).

إجمالي مرات مشاهدة الصفحة